ليس فيه كلّ ذلك فإنّه لا يكون محبوباً ولا مبغوضاً لنا ، فلا نفرح لبقائه ولا نحزن لفواته ، بخلاف من نحبّه ومن نُبغضه ، بل إنّ من نحبّه لا نستطيع أن نبغضه ولو ألحق بنا الضرر ، كما هو حال الأمّ وولدها ، ومن نُبغضه لا نستطيع أن نُحبّه ولو جلب لنا النفع ، كما هو الحال في عدوّنا .
عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال : « لو ضربت خيشوم « 1 » المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدُّنيا بجمّاتها « 2 » على المنافق على أن يُحبّني ما أحبّني
. . . » « 3 » .
نعم ، إذا تمكّن أحدٌ من التخلّص من تلك العلقة المعقودة في قلبه سواء كانت علقة حبّ أو علقة بغض فإنّ الحال سوف ينقلب رأساً على عقب ، ولكنّ هذا الحال لا يحصل إلّا نادراً . ولذا فإنّه لا يكفي أن تقول لمن تُحبّه :
أبغضك ، فيتحوّل حبّك له إلى بغض ، وكذلك لا يكون العكس .
إنّ هذه العلقة والرابطة الوجودية لكونها كذلك فإنّها غير قابلة للتخلّف ما دامت موجودة ، كما هو الحال بالنسبة للرابطة الموجودة بين النار والحرارة ، فالنار حارّة في كلّ زمان ومكان ، كما أنّ الكلّ أكبر من الجزء في كلّ زمان ومكان ، فلا يُعقل أن تكون النار حارّةً في مكان ما من عالم الحسّ وباردة في مكان آخر منه ، وهكذا الحال بالنسبة لكلّ موجود تحرز فيه كمالك
هامش
( 1 ) الخيشوم : هو أقصى الأنف .
( 2 ) الجمّة : هي المكان الذي يجتمع فيه الماء ، وقد مثَّل عليه السلام بذلك كنايةً عن الخير الكثير ، والجمّ والجمّة : الكثير من كلّ شيء .
( 3 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 34 ص 234 الباب 35 ، باب النوادر ، وفي رواية أخرى عنه عليه السلام : « لو نثرت على المنافق ذهباً وفضّةً ما أحبّني » . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، مصدر سابق : ج 4 ص 84 ، فصل في ذكر المنحرفين عنه عليه السلام .