الحاصلة بين المحبّ ومحبوبه التي نسمّيها بالحبّ هي أمرٌ وجودي حقيقيّ واقعيّ وليس أمراً اعتبارياً . نعم ، إنّها علقة تكوينية وقد تقدّم منّا ذلك كالعلقة التكوينية بين النار والحرارة وليست هي مجرّد علقة اعتبارية لا واقع وراءها كما هو الحال في القوانين الوضعية التي لا حقيقة لها وراء اعتبار المعتبر « 1 » ولذا يمكن تغييرها وتبديلها في أيّ وقت وبأيّ نحو من الأنحاء ، بخلاف الأمر الحقيقي والتكوينيّ الذي من جملة مصاديقه الحبّ ، حيث لا
يملك الإنسان أن يحبّ أيّ أحد متى شاء ذلك وبأيّ نحو أراد ، كما أنّه لا يملك أن يبغضه بذلك النحو .
فالملاك في الحبّ هو وجود الكمال في المحبوب ، والملاك في البغض هو وجود النقص في المبغوض ، فما فيه نفعنا وخيرنا وكمالنا وسداد حاجاتنا فإنّه سوف يكون محبوباً ومحلّ استقطاب لنا ، وما فيه ضررنا وشرّنا ونقصنا وافتقاد حاجاتنا فإنّه سوف يكون مبغوضاً لنا وموضع استهجاننا ، وما
هامش
( 1 ) لتقريب هذا المعنى نضرب مثالًا بسيطاً : لو أخذت لفظ « الكتاب » ونظرت إلى هذا الكتاب الذي بين يديك ، فإنّ الموجود بين يديك هو أمرٌ وجوديّ حقيقيّ له تحقّق وتحيّز في الخارج ، وأمّا لفظ الكتاب فهو مجرّد لفظ لا حقيقة له في الواقع والخارج غير اعتبار الواضع له ؛ بدليل أنّ الواضع لو كان قد أسماه باسم آخر مثل : باب ، قلم ، جبل . . . فإنّه لم يكن يؤثّر ذلك في حقيقة الكتاب الخارجية ، وهذا التغيير ممكن جدّاً ، في حين إنّ واضع اللفظ وغيره أيضاً لا يمكنهم التصرّف بحقيقة الكتاب نفسه ، فلو أسمى الكتاب قلماً فإنّ حقيقة الكتاب كونه مقروءاً ومؤلّفاً من أوراق وجلد وحبر ومعلومات و . . . باقية لأنّه أمرٌ وجوديّ وحقيقيّ ، كما هو الحال في جميع أسمائنا فإنّها مجرّد اعتبار حيث يمكن للأب أن يُسمّي ابنه في الصباح أحمد وفي الظهر عليّاً وفي العصر حسناً وفي الليل حسيناً ، دون أن يؤثّر في حقيقة الابن . وعليه فالحبّ هو من قبيل وجود الكتاب نفسه ووجود ذلك الابن ، لا من قبيل لفظ الكتاب واسم الابن .