فنحن نتألّم جرّاء الصورة التي هو عليها ، وهو يتألّم جرّاء ما أصابه ، وشتّان بين الألمين والعلمين ، فعلمه حضوريّ وعلمنا نحن به حصوليّ ، وبحسب الاصطلاح القرآني والعرفاني أنّ العلم الحصولي هو علم اليقين ، والعلم الحضوري هو عين اليقين ، قال تعالى : لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ « 1 » ، والأوّل يحصل بالدليل والبرهان ، والثاني يكون بالكشف والشهود والمعاينة والحضور .
وأمّا حقّ اليقين « 2 » وهو نوع معرفيّ سام جدّاً فإنّه مشاهدة الحقيقة أيضاً ولكن في أرفع الأطوار التي لا يمكن تجاوزها البتّة « 3 » .
ولا ريب أنّ الفرق بين العلم بالجحيم وبين مشاهدتها ومعاينتها عظيمٌ جدّاً لا يمكن تصوّره ، ولا ريب أنّ المعلوم مشاهدةً وحسّاً ومعاينةً وحضوراً هو أشدّ وجوداً ووضوحاً من المعلوم ذهناً وتصوّراً وحصولًا ، وبتبع ذلك يكون التأثّر والتفاعل .
وقد عرفت أنّ المعرفة مُورثة للحبّ ، فلابدّ أن تكون المعرفة الحضورية والتجليّاتية مُورثة لنوع من الحبّ هو أعظم شأناً وأشدّ وجوداً وأقوى تأثيراً وأوقع في النفس وأقرب إلى المقصود المطلق ، وبتبع نوع الحبّ وقوّته يكون الإخلاص بحكم التبعية والموروثية .
هامش
( 1 ) التكاثر : 7 5 .
( 2 ) المشار إليه بقوله تعالى : إنَّ هذَا لهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الواقعة : 95 ؛ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ الحاقّة : 51 .
( 3 ) لطائف الأعلام في إشارات الإلهام ، مصدر سابق : ص 250 و 421 و 430 .