تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
عرف التوحيد حقّ معرفته ، وطرد الأغيار عن حريم قلبه ، ليصفو خالصاً من كلّ شوب ، ويصير حرماً وبيتاً لربّ البيت وحده ، وهذه هي السعادة الحقّة والخير الأتمّ . إنّ الإنسان في حركة وسير معنويّ دائم ابتداءً من لحظة ظهوره الأوّل في عالم الملك الدُّنيا وانتهاءً إلى محلّ إقامته الأخرى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنْتَهَى « 1 » . فالإنسان طالب لكمال نفسه في ذلك السير المعنوي ، وقاصد سعادة نفسه ، يتنقّل من مقام إلى آخر ، ومن مرتبة كمالية إلى أخرى ، فذلك هو همّه وديدنه وفطرته . والحاصل : « أنّ الإنسان في مسير حياته إلى أيّ غاية امتدّت لا همّ له في الحقيقة إلّا خير نفسه وسعادة حياته وإن اشتغل في ظاهر الأمر ببعض ما يعود نفعه إلى غيره ؛ قال تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأِنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها « 2 » وليس هناك إلّا هذا الإنسان الذي يتطوّر طوراً بعد طور ، ويركب طبقاً عن طبق ، من جنين وصبيّ وشابّ وكهل وشيخ ثمّ الذي يُديم الحياة في البرزخ ثمّ يوم القيامة ثمّ ما بعده من جنّة أو نار ، فهذه المسافة يقطعها الإنسان من موقفه في أوّل تكوّنه إلى أن ينتهي إلى ربّه . . . وهذا الإنسان لا يطأ موطئاً في مسيره ولا يسير ولا يسري إلّا بأعمال قلبية هي الاعتقادات ونحوها وأعمال جوارحية صالحة أو طالحة . . . » « 3 » . وكلّ ذلك بحسب معرفته ، وهذه المعرفة على قسمين حصولية وحضورية ، وقد عرفت أنّ الحبّ هو نتاج المعرفة ، فإذا كانت المعرفة
هامش
( 1 ) النجم : 42 . ( 2 ) الإسراء : 7 . ( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 6 ص 178 177 .