تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
على الموجود المطلق وهو الله سبحانه وتعالى . فنحن نلمس بالوجدان أنّ الإنسان في سعيه التكاملي حالما يحرز كمالًا ما ، نجده يطلب كمالًا آخر أشدّ وجوداً وأكثر تكاملًا وأعلى مرتبةً ممّا حصل عليه ، ولا يكفّ عن سعيه حتى يحرز مقصوده الملحوظ أمامه ، ثمّ ينتقل منه لآخر ، وحيث إنّ مقصوده النهائي وغايته الأسمى لا حدّ لكمالاته فإنّنا نجد الإنسان وهو في رحلته التكاملية ينتقل من منزل معنويّ إلى آخر أكثر تكاملًا ، ومن مرتبة إلى أخرى أعلى سموّاً ، ومن مقام إلى آخر أقوى وأشدّ منعة ، فلا ينفتل عن قصد مطلوبه ودركه ؛ ما يكشف لنا عن وجود مراتب طولية تدريجية بين الكمالات المطلوبة إليه وبين درجات الحبّ التي تحقّق بعضها ويصبو قلبه للأخرى ، فإنّ جميع الكمالات المتوافرة والمتصوّرة لدينا في الموجود المطلق غير المتناهي مطلوبة للإنسان ، وهو ساع وماض في تحصيلها ولكن كلٌّ بحسبه ولذا فهو في سير غير متناهٍ ، وهذا السير غير المتناهي هو ما يُصطلح عليه في العرفان وفلسفة الحكمة المتعالية بالسفر الثاني الذي هو سير وسفر من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ، وهو سير في أسماء الله الحسنى وصفاته الأسمى غير المتناهية ، ينهل منها السالك والمسافر بقدر ما اتّسع إناؤه وقوي عليه استعداده ، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا « 1 » . فالماء هو الفيض ، وقد أسماه بالماء كنايةً منه عن الحياة « 2 » والوجود في قبال الموت والعدم ، أي الحياة والوجود الربّانيين لا الحياة والوجود الدنيويين الهالكين . ولا ريب أنّ الحياة الإلهية والربّانية قائمة بالمعارف والعلوم الإلهية العلوية ، ولولا نزول تلك المعارف الإلهية لما أمكن
هامش
( 1 ) الرعد : 17 . ( 2 ) وفي ذلك يقول الله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . الأنبياء : 30 .