تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
حبّ أمير المؤمنين عليّ ؛ فإنّ حبّه عليه السلام قضية سيّالة في كلّ موجود ومكنون ، ولكنّنا نصبر عن البوح وفي العين قذى وفي الحلق شجا ، نرى تُراث أبوينا نهبا ، ( أنا الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وعليّ أبوا هذه الأمّة ) ، والعاقبة للمتّقين . الأمر الثاني : إذا كان حبّ عليّ عليه السلام الذي هو ترجمة أخرى عن ولايته وإمامته حسنة لا تضرّ معها سيّئة ، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة ، فهذا دليلٌ تامّ على كون حبّه عليه السلام وولايته شرطاً في قبول الأعمال ، فإذا توقّفت جميع أعمال العبد الأخرى بلا استثناء على حبّ عليّ عليه السلام فهذا يعني أنّ هذه الحسنة لا يُوجد مثيل لها وأنّ فاقدها لم يحرز شيئاً بعينه ولو جاء بحسنات الثقلين دون ذلك الحبّ وبذا يكون هذا الحبّ قاضياً ماحقاً لكلّ ذنب ، فالحسنة الحقيقيّة العظمى متوافرة والسيّئة الحقيقيّة العظمى مفقودة ، فكلّ سيّئة أخرى ستنطفي نارها بذلك النور القدسيّ . بعبارة أخرى : إنّ حبّ عليّ عليه السلام هو الحسنة الراجحة على جميع السيّئات الأخرى فلا يعدلها شيء ولا ينقص منها شيء ، وقد جاء هذا المعنى في جملة من الروايات ، نذكر منها قول الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله : « . . ما وُضع حبّ علي في ميزان أحد إلّا رجح على سيّئاته ، ولا وُضع بُغضه في ميزان أحد إلّا رجح على حسناته » . مستدرك سفينة البحار ، تحقيق الشيخ حسين علي النمازي ، الناشر مؤسّسة النشر الإسلامي ، 1419 ه ، قم : ج 2 ص 160 ؛ بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 39 ص 26 . الأمر الثالث : إنّ السيّئات التي يقترفها المؤمن سوف يغادرها عيناً وأثراً وهو في الحياة الدنيا كرامةً لذلك الحبّ وذاك التولّي ، لأنّ ذلك الحبّ لا يجتمع مع السيّئة فيكون طارداً لها ، ولذا يبتلى المذنب في دنياه بفقر أو مرض أو سجن أو ثكل ، وما شابه ذلك حتّى يطهر قلبه وبدنه فيخرج من الدُّنيا كيوم ولدته أمّه . عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال : « ما من شيعتنا أحدٌ يُقارف أمراً نهيناه عنه فيموت حتّى يبتليه الله ببليّة تُمحّص بها ذنوبه ، إمّا في ماله أو ولده ، وإمّا في نفسه حتّى يلقى الله محبّنا وما له ذنب ، وإنّه ليبقى عليه شيء فيُشدّد عليه عند موته فتُمحّص ذنوبه » . بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 65 ص 115 . وفي حديث آخر مرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه دخل عليه رجل فقال : جُعلت فداك ! إنّ لي أخاً لا يؤلي أي لا يُقصّر ولا يُبطئ عن محبّتكم وتعظيمكم ، / / غير أنّه يشرب الخمر . فقال الصادق عليه السلام : « إنّه لعظيم أن يكون محبّنا بهذه الحال ، إلّا أنّ هذا لا يخرج من الدُّنيا حتّى يتوب أو يبتليه الله ببلاء في جسده فيكون تحبيطاً لخطاياه حتّى يلقى الله عزّ وجلّ ولا ذنب عليه » . شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار عليهم السلام للقاضي النعمان بن محمد المغربي ، تحقيق السيّد محمد حسن الجلالي الحسيني ، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ، قم : ج 3 ص 587 . فالسيّئات لها أثرٌ وضعيّ على المؤمن فضلًا عن غير المؤمن في الدُّنيا ، وهذا الأثر يُمحَق تماماً بالتمحيص في الدنيا ، فلا يبقى للذنب بعد الموت عينٌ ولا أثر . ولكن ينبغي أن يُعلم أنّ البحث فيما تقدّم إنّما هو كبرويّ يتوقّف تطبيقه على تحقّق الصغرى ، وهي إحراز حبّ عليّ عليه السلام وتحقّقه ، فلا يكفي الادّعاء مجرّداً وإنّما لابدّ من التحقّق به . واعلم أنّ حبّ علي وولايته عليه السلام لا يجتمعان البتّة مع حبّ وموالاة مناوئيه وأعدائه وسالبيه حقّه والراضين بذلك ، كما أنّ حبّ الله تعالى لا يجتمع مع حبّ الشيطان ، وكما أنّ حبّ الآخرة لا يجتمع مع حبّ الدُّنيا ، وأنّى للظلمة أن تجتمع مع النور ، فافهم . واللازم على كلّ مؤمن ومؤمنة أن يحافظ على تلك الجوهرة الفريدة النفيسة ، أعني بذلك حبّ أهل البيت عليهم السلام ؛ فبه الحياة الطيّبة تكون ، وبه الحياة الأبدية السعيدة تُنال ، فالسعيد من اتّبعهم ، والشقيّ مَنْ خالفهم ، والسعيد من اتّعظ بهذه الكلمات ولم يضيّعها .
معرفة الله — صفحة 119 | السيد كمال الحيدري