وقد قال تعالى : لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ « 1 » فقد دعا الناس إلى أن لا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا ، ومعلوم أن الحزن على الدنيا أَولى بأن يُنهى عنه من الحزن على الدين . وإن قُدّر أنه حزن على الدنيا ، فحزن الإنسان على نفسه خوفاً أن يُقتل أولى أن يُعذر به ، من حزنه على مال لم يحصل له « 2 » .
حسْب الشيعة في هذا الأمر أن حزن الزهراء عليها السلام وبكاءها على أبيها صلى الله عليه وآله كان بمرأى منه في حياته حين أخبرها برحيله ، كما في الصحيح المتَّفق عليه من الأخبار ، ومع ذلك لم يذمّها على حزنها هذا ، ولم يقل لها إنه ( ضعف وحزن على أمر فائت لا فائدة منه ) كما يقول ابن تيمية ، وإنما قام بتسليتها وبشارتها .
على أن الحزن المنهيّ عنه ( وهو الجزع ) لا يتحقّق بمجرد إظهار الحزن ، وإنما بما يرافق هذا الحزن من القول السيّئ أو الفعل القبيح ، كاليأس من تعويض الله أو الغفلة عن وعده وأمثال ذلك ، كما أنه لا يخالف ( الصبر الجميل ) الذي أُمرنا به ؛ وها هو نبيّ الله يعقوب عليه السلام يقول لأبنائه : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ « 3 » فما كان من ( صبره الجميل ) إلا أن أعرض عنهم وَقَالَ يَا أَسَفى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ « 4 » ولم يجد في ذهاب
هامش
( 1 ) الحديد : 23 .
( 2 ) منهاج السنة ، مصدر سابق : ج 8 ، ص 459 - 461 .
( 3 ) يوسف : 18 .
( 4 ) يوسف : 84 .