وليّ أمر فلم يعطها [ إيّاه ] لكونها لا تستحقّه عنده ، وهو لم يأخذه ولم يعطه لأحد من أهله ولا أصدقائه بل أعطاه لجميع المسلمين ، وقيل : إن الطالب غضب على الحاكم ، كان غاية ذلك أنه غضب لكونه لم يعطه مالًا ، وقال الحاكم : إنه لغيرك لا لك ، فأيّ مدح للطالب في هذا الغضب ؟ لو كان مظلوماً محضاً لم يكن غضبه إلا للدنيا . وكيف والتهمة عن الحاكم الذي لا يأخذ لنفسه أبعد من التهمة عن الطالب الذي يأخذ لنفسه ، فكيف تحال التهمة على من لا يطلب لنفسه مالًا ، ولا تحال على من يطلب لنفسه المال ؟ وذلك الحاكم يقول : إنما أمنع لله لأني لا يحلّ لي أن آخذ المال من مستحقّه فأدفعه إلى غير مستحقّه ، والطالب يقول : إنما أغضب لحظّي القليل من المال « 1 » .
وقال : وأيضاً فهؤلاء ينقلون عن عليّ وفاطمة من الجزع والحزن على فوت مال فدك وغيرها من الميراث ما يقتضي أن صاحبه إنما يحزن على فوت الدنيا ، وقد قال تعالى : لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ « 2 » فقد دعا الناس إلى أن لا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا ، ومعلوم أن الحزن على الدنيا أولى بأن يُنهى عنه من الحزن على الدين . وإن قدِّر أنه حزن على الدنيا ، فحزن الإنسان على نفسه خوفاً أن يُقتل أولى أن يُعذَر به ، من حزنه على مال لم يحصل له « 3 » .
هامش
( 1 ) ابن تيمية ، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحرَّاني الحنبلي ، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ، تحقيق : محمد رشاد سالم ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - السعودية ، ط 1 ، 1406 ه - - 1986 م ، ج 4 ، ص 244 - 245 .
( 2 ) الحديد : 23 .
( 3 ) منهاج السنة ، مصدر سابق : ج 8 ، ص 260 - 261 . وهو يقول هذا في سياق مقارنة حزن الصدّيقة الزهراء عليها السلام على رحيل أبيها صلى الله عليه وآله بحزن الخليفة الأول كما حكى الله تعالى عنه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله في كتابه الكريم : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ( التوبة : 40 ) .