عبد الرحمن النسائي ، بل إن الذهبي نفسه قال عنه : ولم يكن أحد في رأس الثلاثمئة أحفظ من النسائي ، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم ، ومن أبي داود ، ومن أبي عيسى ، وهو جارٍ في مضمار البخاري وأبي زرعة .
ومع ذلك فقد طُعن عليه بالتشيّع ! وكان مرادهم بذلك ليس عدم إيمانه بالخلافة الرسمية ، ولا الطعن على الخلفاء أو الصحابة ، ولا حتى تقديم الإمام علي عليه السلام على الشيخين ، وإنما مجرد روايته لفضائل علي بن أبي طالب وانحرافه عن معاوية .
نقل الذهبي عن الوزير ابن حِنْزَابَة أنه سمع من محمد بن موسى المأموني ( صاحب النسائي ) إنكار قوم عليه تأليف كتاب ( خصائص علي ) وتركه تصنيف فضائل الشيخين ، وحتى بعد أن صنّف النسائي لاحقاً مؤلَّفاً بهذا الشأن ، قيل : ألا تُخرج فضائل معاوية . . . ؟ فقال : أيّ شيء أخرج ؟ ! حديث : ( اللَّهُم لا تُشبع بطنه ) ؟ فما كان من السائل إلّا أن سكت « 1 » .
ولكن إذا كان السائل سكت في هذه المرّة ، فإن غيره سوف يصعِّد من موقفه معه ولن يتورّع عن استخدام العنف معه ، بل إن النسائي استشهد ضحيّة موقفه هذا ، من فضائل معاوية المزعومة ، كما صرّح بذلك الحافظ محمد بن المظفّر وأبو عبد الله بن مندة والدارقطني وغيرهم .
قال الذهبي : روى أبو عبد الله بن مندة ، عن حمزة العقبي المصري وغيره ، أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق ، فسئل بها عن معاوية وما جاء في فضائله . فقال : لا يرضى رأساً برأس حتى يُفَضَّل ؟ [ أي على علي عليه السلام ] قال : فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى اخرج من
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ج 14 ، ص 129 .