بالسموات والأرض ) ، حيث كتب ما نصّه :
في ضوء ما تقدّم يترشّح سؤال حول حدود فعله ، فقد اتّضح بأنَّ التعبير بقوله : لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ هو تعبير عن عالم الإمكان بأسره ، وعالم الإمكان هو فعله وأثره سبحانه ، فلا وجود ثالث بين الوجود الواجبي والوجود الإمكاني ، فكلّ ما عداه في الوجود فهو ممكن ، ومن البيِّن أنَّ الوجود الواجبي مطلق ، فهل الوجود الإمكاني كذلك أم أنّه وجود محدود ؟ الجواب هو : إنّنا إذا انطلقنا من ضرورة انحصار الإطلاق به ، فلا ريب بأنَّ ما عداه بمفرداته وبجمعيّته وجود محدود مهما اتّسعت دائرته ، وهذا الوجود المحدود بالقياس إلى وجوده الواجبي هو مطلق بالنسبة إلينا ؛ لعدم قدرتنا على الإحاطة به ، بل ما هو أدنى من ذلك غير قابل للإحصاء ؛ قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( النحل : 18 ) والّذي يظهر من كلمات الُمتكِّلمين هو انحصار الإطلاق به تعالى ، ومحدوديّة كلّ ما عداه جمعاً وتفريقاً .
ولكنّنا إذا انطلقنا من زاوية أُخرى فالأمر يختلف تماماً ، وهي زاوية الفعل نفسه ، فإنَّ من الثابت في محلِّه ضرورة وجود مُسانخة بين الفاعل وفعله ، وبالتالي فإنَّ الفاعل في المقام وهو الله تعالى مطلق ، فلابدَّ أن يكون فعله مطلقاً أيضاً ، لنكتة المُسانخة ، وهذا ما انتهى إليه الطباطبائي ، حيث يقول : « أطبقت البراهين على أنّ وجود الواجب تعالى بما أنّه واجب لذاته مطلق ، غير محدود بحدٍّ ولا مقيّد بقيد ولا مشروط بشرط ، وإلّا انعدم فيما وراء حدِّه وبطل على تقدير عدم قيده أو شرطه ، وقد فُرض واجباً لذاته ، فهو واحد وحدة لا يُتصوَّر لها ثانٍ ، ومطلق إطلاقاً لا يتحمّل تقييداً . وقد ثبت أيضاً أنَّ وجود ما سواه أثرٌ مجعولٌ له ، وأنَّ الفعل ضروريّ المسانخة
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 377
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٧٧