بعبارة أُخرى : إنَّ هنالك إستراتيجيتين في البيانات القرآنيّة ، الأُولى : في مجالات الحسم ، والأُخرى : في مجال الاجتهاد ، فالحسم يتّخذ النصِّية الأصُوليّة طريقاً واضحاً ، وهو ما يُسمَّى قرآنيّاً بالمحكم ، وأمّا في مجال الاجتهاد فإنَّ القارئ المُتخصّص يجد مساحة واسعة للأخذ والردّ ، لأنَّ الموضوعات قابلة لذلك ، ولعلَّ هذا هو السرّ في الجعل التكويني لموضوعات العقيدة ، بمعنى إرجاع مطالبها للفطرة السليمة التي تنطق بها قبل القرآن والسنّة الشريفة ، بخلاف مُعظم موضوعات الشريعة ، فإنّها وإن كانت منسجمة مع سياقات الفطرة إلّا أنّها تبقى عاجزة عن نيلها ، ولعلنا نُوفّق لتأصيل ذلك في بحوثنا المتعلّقة بفلسفة الأحكام الشرعيّة « 1 » .
5 . ذكر السيّد الحيدري تحت عنوان ( السياق اصطلاحاً ) :
وكيف كان ، فالسياق بحسب فهمنا هو البناء التركيبي للنصّ ، يرتكز على مفردة أو جملة ، ووظيفته بيان المراد الجدّي للمتكلّم من خلال استعماله لمفردات وتراكيب بنحوٍ لا تُفضي إلى غير مفاد السياق ، فالسياق ليس له حقيقة خارجيّة وراء نفس البناء التركيبي ، بمعنى أنّه ليس مُفردة بعينها ، كما توهَّم كثير من الأعلام ، وليس جملة أيضاً ، وإنّما هو بناء صوريّ نقرؤه من خلال النصّ بوجوده التركيبي ، فإذا ما قلنا بأنّ القرينة السياقيّة في قول الآمر : « اذهب إلى البحر في كلّ يوم واستمع إلى حديثه باهتمام » تدلّ على عدم إرادة البحر بمعناه اللغوي ، فإنَّ الدالّ على ذلك ليس نفس مفردة : ( حديثه باهتمام ) ، وإنّما البناء التركيبي لهذا النصّ المرتكز على هذه المفردة ، فالمفردة الصارفة وسيلة القرينة السياقيّة وليست هي نفس القرينة .
هامش
( 1 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 339 - 340 .