تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
البعد الثاني : إنَّ الخطابين ، المكّي والمدني معاً ، ينقسمان إلى قسمين مهمّين جدّاً ، من جهة المتكلّم أوّلًا وبالذات ، وهذا ما عنيناه من الأهمّية والخطورة ، وهي النكتة التي بحسب علمنا لم يلتفت إليها أحد من قبل ، وبالتالي لم يُرتَّب عليها أثر ، وهنا نحتاج إلى توضيح الفكرة ببيان محدود يُناسب المقام ، تاركين التفصيل فيه إلى مناسبة أُخرى . لو طالعنا الخطابات القرآنيّة نجد أنَّ الُمتحدِّثَ فيها أوّلًا وبالذات ، وثانياً وبالعرض جهتان مختلفتان ، هما : الجهة الأُولى : تتمثّل بالله تعالى ، أو تنتهي إليه ، وهذا هو السمت العامّ في الخطابات القرآنيّة ، من قبيل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة : 21 ) ، وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( البقرة : 153 ) . الجهة الثانية : تتمثّل بغير الله تعالى ، وهي عامّة تدور بين الملائكة والإنس والجنّ ، والحيوانات ، من قبيل : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ( البقرة : 30 ) ، فالمقطع : قَالُوا أَتَجْعَلُ . . . وَنُقَدِّسُ لَكَ ، المتكلِّم فيها أوّلًا وبالذات هم الملائكة ، ولذلك لم يقع قولهم موقع القبول ، وأمّا نسبة الكلام إلى الله تعالى فهو ثانياً وبالعرض ، أي : إنَّ الله تعالى حكى قولهم وما تبنّاه . ما نُريد إثارته في المقام هو أنّنا نتعبَّد بكلمات الله تعالى وبكلمات المعصومين ( عليهم السلام ) ، وما عدا ذلك لا حجّية له علينا ، وهنا لنا أن نسأل : كيف لنا أن نتعاطى مع الكلمات القرآنيّة التي حكاها الله تعالى عنهم ، ولم يكن الله