نور فيتّبع المحكم ويردّ المتشابه للمحكم ، ومَن في قلبه زيغ فيتبع المتشابه ويذَر المحكم ، وما أكثرهم .
ذلك ما كان من وصف القرآن كلّياً بالإحكام ، وأمّا بالنسبة إلى وصفه بالمتشابه فإنّ للأمر صلة وثيقة بما تقدّم من الدفعيّة والتدريجيّة في النزول ، فإنّ القرآن لو نزل بوجوده الكلّي على الأمّة دفعةً واحدة لانتفى الغرض منه ، وذلك لعدم تحقّق الإفهام ، وبالتالي سوف لا يكون المخاطب به مخاطباً فعلًا ، فاحتاج ذلك الوجود الكلّي أن تُبيَّن تفصيلاته المفضية لتحقّق الغرض ، ولذلك وصفت الآية الكريمة ذلك التفصيل بنزوله التدريجي بأنه : مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ . . . ، فإذا لم يتحقّق منه الإفهام للأمّة بوجوده الإجمالي ونزوله الدفعي فلا معنى أن : تَقْشَعرَّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، وإنّما يقشعرّ منه النبي الأكرم ( ص ) الذي كان أهلًا للتفهيم ، فصيغة الجمع تحكي وجوداً آخر صاراً محلّا . للإفهام ، فأوجب أن : تَقْشَعِرَّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، وفي الآية قرينتان لفظيّتان سياقيّتان تساعدان على ذلك ، الأولى هي كلمة : ( مَثانِي ) ، الحاكية عن نزوله مرّتين ، دفعيّاً خاصّاً بالرسول ( ص ) موجباً لفهمه ووقوع القشعريرة منه ، وتدريجيّاً عامّاً للأمّة موجباً لفهمه ووقوع القشعريرة منه ، والثانية هي نفس كلمة : مُتَشَابِهاً ، التي قد تكون بمعنى أنّه متشابه في معانيه الكلّية الدفعية ومعانية التفصيليّة التدريجيّة ، والله العالم .
الأمر الثالث : سرّ قسمة الآيات إلى محكم ومتشابه
هنا تعرّض أعلام الأمّة وعلماء الصنعة للإجابة عن ذلك ، ووقع اختلاف كبير في توجيه التقسيم القرآني لآياته إلى محكم ومتشابه ، وتبرير