دائرتي التفسير والتأويل ، وأنّ المتشابه لابدّ من إرجاعه إلى المحكم ، وأنّ المحكم تارةً يكون نصّاً قرآنيّاً وأخرى يكون نصّاً معصوماً ، ممّا يعني بأنّ المتشابه نوعان أيضاً ، الأوّل هو ما أشارت إليه الآية الكريمة ، والآخر ما يفترضه جملة من المفسّرين أو المتكلّمين ، وجميع القرّاء الذين لم يحكموا الصنعة ، وفي الثاني يشتدّ زيغهم وانحرافهم ، كما هو واضح .
هذا ، وسوف تتّضح لنا في الأمور الأخرى حقائق أخرى أكثر عمقاً وفائدةً ممّا تقدّم ، حيث سيتبيّن متعلّق الإحكام والتشابه ، وحدودهما ، ومعنى الإحكام والتفصيل ، وسرّ قسمة الآيات إلى محكم ومتشابه ، مع بيان الكلمة الفصل في حقيقة كون القرآن كلّه محكماً وكلّه متشابهاً .
الأمر الثاني : متعلّق الإحكام والتشابه
للإحكام والتفصيل معنىً آخر لم يلتفت له الأعلام ، وهو أنّ الإحكام عنوان يحكي المعنى الكلّي الذي أنزل على الرسول الأكرم ( ص ) نزولًا دفعيّاً ، فالإحكام يقابل التفصيل ، كما أنّ النزول الدفعي يقابل التدريجي ، وبالتالي فإنّ النزول التدريجي هو التفصيل بعينه ، ومن مقتضيات التفصيل وقوع التشابه المتقدّم في المعنى الأوّل .
بعبارة أخرى : إنّ القرآن كلّه محكم ، ولكنّه لشخص النبي ( ص ) في النزول الدفعي ، وهو الموافق للإحكام الاصطلاحي في موضوعة المحكم والمتشابه ، والقرآن محكم ومتشابه اصطلاحاً في دائرة التفصيل ، وهو الواقع في نزوله التدريجي ، فمتعلّق الإحكام الكلّي نزوله الدفعي الخاصّ بالرسول ( ص ) أصالةً وبأوصيائه وراثةً ، والإحكام والتشابه الجزئيّان متعلّقهما النزول التدريجي ، وهو لعامّة الناس أجمعين ، ليبتليهم بذلك ، وليتبيَّن مَن في قلبه