تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦

الأوّل : ما هي طبيعة المتكلِّم وخصوصياته ؟

وهنا ينبغي تحديد هويّة وخصائص المتكلِّم ، ومن الواضح بأنَّ صاحب النصّ القرآني هو الله تعالى ، جامع الكمال والجمال والجلال المطلق ، فلا يصدر منه إلّا الخير ، ولا يقول إلّا الحقّ ، ولا يخُبر إلّا بالصدق . وقبل الانتقال ، نودّ أن نثير قضيّة ذات بعدين ، أحدهما في غاية الأهمّية والخطورة ، تتعلَّق بالخطابات القرآنيّة وشخصيّة المتكلِّم ، وهما : البعد الأوّل : إنَّ القرآن ينقسم إلى قرآن مكّي وآخر مدنيّ ، وهذا معلوم ومفروغ منه ، ولكن ما لا يُعلم جيّداً هو امتيازات الخطابين على مستوى الشكل والمضمون ، فالخطاب المكّي امتاز بالإجمال وبالإيجاز الشديد ، وبالاستفادة من المُحسِّنات اللفظيّة ، لأنَّ أهدافه اقتضت ذلك ، في حين نجد الخطاب المدني ينتقل بنا إلى البسط والتفصيل ، وتكاد أن تغيب فيه المُحسِّنات اللفظيّة ، لأنّه يتعاطى مع أُناس مؤمنين ، والّذي نراه في المقام هو أنَّ الخطاب المدني هو الأهمّ من بين الخطابين ، ولسببين : الأوّل : مساحة الخطاب المدني التي لا يُقايس بها مساحة الخطاب المكّي ، وهذا واضح جدّاً ، والثاني : أنَّ معظم نظريات الرصيد الاجتماعي والأخلاقي والشرعي ومعالم بناء الدولة إنّما تجسَّدت في الخطاب المدني ، وهذا واضح أيضاً . البعد الثاني : إنَّ الخطابين ، المكّي والمدني معاً ، ينقسمان إلى قسمين مهمّين جدّاً ، من جهة المتكلّم أوّلًا وبالذات ، وهذا ما عنيناه من الأهمّية والخطورة ، وهي النكتة التي بحسب علمنا لم يلتفت إليها أحد من قبل ، وبالتالي لم يُرتّب عليها أثر ، وهنا نحتاج إلى توضيح الفكرة ببيان محدود يُناسب المقام ، تاركين التفصيل فيه إلى مناسبة أُخرى .