القلب ، فيُغادر حاكميّة عالم المادّة له ، وتنتهي جميع عبودياته المُنتحلة لغير الله تعالى ، ولم يعد الموت الحسّي الظاهري مخيفاً له ، بل ما كان يفرّ منه سلفاً صار طالباً له ، لأنّه أصبح عارفاً بحقيقة الموت وما يتضمّنه من لذَّة اللقاء بالمقصود ، بخلاف ما كان عليه قبل موته يُرعبه اسم الموت لأنّه كان يعيش في محيطٍ قوامه الوهم ، فيخشى الموت ويفرّ منه ؛ قال تعالى : وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ( النجم : 28 ) .
وأمّا الوجه الثاني فهو موت الآخر فيه ، فلم يعد حاضراً أمامه سوى الله تعالى ، وهذا الآخر المنتفي في طليعته الأنا ، وذلك بالحضور الدائم في ساحة قُدسه ، حيث تبطل حكاية كلّ موجود عن نفسه ، وتنحصر حكايته به سبحانه ، وهو مقام : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 115 ) ، والُمشار إليه بقول إمام الُموحّدين علي ( ع ) حيث يقول :
« ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه »
« 1 » .
فالحركة الآفاقيّة للنصّ تدعو الإنسان للسير في أصقاع الأرض حيثما تكون رضاه سبحانه ؛ قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( الملك : 15 ) ، وقوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( العنكبوت : 20 ) ، والحركة الأنفسيّة تدعو للخروج من : « الأنا » إلى : « أنت أنت » ، أو قل : الحركة الآفاقيّة للنصّ سير في أرض الرقيقة ، والحركة الأنفسيّة له سير في أرض الحقيقة .
هامش
( 1 ) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية ، للسيّد الإمام روح الله الخميني ، مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ، الطبعة الرابعة ، 2002 م ، قم : ص 22 .