وفي ضوء ذلك فللنصّ القرآني تأثير أو وجود أنفسي يتلاءم ويتفاعل مع الحركة الكماليّة للإنسان ، ووجود آفاقي ينسجم مع الإنسان بصفته عالمَاً أصغر .
والآن ينبغي توضيح الفكرة من خلال مثال قرآنيّ ، وهو قوله تعالى : . . . وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( النساء : 100 ) ، فالهجرة لها بُعدان ، أنفسيّ يُسمَّى بالسير والسلوك الكمالي ، ولنطلق عليها اسم الحركة المعنويّة ؛ وبعد آفاقيّ وهو الحركة الخارجيّة ، ولنُطلق عليها اسم الحركة الحسِّية ؛ وبالتالي فإنَّ القرآن هنا يُوجِّه الإنسان إلى حركتين متوازنتين ، معنويّة وحسِّية ، فالبيت المعنوي هو القلب ، والبيت الحسِّي هو ما يسكنه ؛ والمسكن بمقتضى الفطرة السليمة لا بدَّ أن يكون نظيفاً طاهراً رحباً .
وهنا تبدأ الرحلة والهجرة ، فمن تحرَّك وهاجر حسّيّاً من محلّ سكناه إلى أمر فيه طاعة الله ، من قبيل حجّ بيته الحرام أو الجهاد في سبيله ، ولم يبلغ مبتغاه الحسِّي فله أجر ما قصده ؛ وأمّا من هاجر قلبه الذي فيه الهوى والأنا والرغبات ، أو قلْ فيه الغيريّة ، متوجّهاً إلى الله تعالى ، بنيّة إلغاء الأنا والغيريات ، وبنيّة كفّ الالتفات إلى عمَّا سواه وأدركه الموت فله أجر ما قصده ؛ ولكنَّ الموت في الحركة الحسِّية له مصداق واحد ، وهو الموت الاضطراري الحاصل بانفصال الروح عن الجسد ؛ وأمّا الموت في الحركة المعنويّة فله وجهان بعيدان عن الصورة الحسِّية ، الأوّل هو بلوغ مرتبة اليقين ؛ لقوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( الحجر : 99 ) ؛ وفقاً لتفسير اليقين بالموت المعنوي الذي لا يحصل إلّا بالمعاينة والمشاهدة بعين
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 233
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣٣