وشدّة الوجد ، وإنّما المراد هو التعبُّد والرجوع إليه ، كما سيأتي .
التصوير الرابع : قيل بأنَّ الأصل في لفظ الجلالة هو حرف ( الهاء ) مُجرَّداً ، والهاء حرف يُكنَّى به عن الغائب ، وذلك أنّهم أثبتوه مُوجَداً في فطر عقولهم ، فأشاروا إليه بحرف الكناية ، ثمَّ زيدت فيه ( لام الملك ) ؛ إذ قد علموا أنّه خالق الأشياء ومالكها ، فصار ( له ) ، ثمَّ زيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيما « 1 » وهو معنى وجيه ، وفيه جذور صوفيّة ، ورمزيّة عميقة تتعلَّق بالكمال الذاتي والفيض السرمدي أُشير له بتشكيلة الحرف برسمه الأوّلي ، قد نتعرَّض له في مُناسبة أُخرى ، ولكنّ هذا الوجه - على وجاهته - يرد عليه ما تقدّم في الوجهين الأوّلين .
التصوير الخامس : قيل بأنّه مُشتقّ من كلمة ( أَلِهَ ) ، أي : تنسَّك ، ومن ذلك قوله تعالى : . . . وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ . . . ( الأعراف : 127 ) ، أي : يتركك أنت وعبادتك وتنسُّكك ، وهو المرويّ عن ابن عبّاس ، حيث استفاد من ذلك بأنَّ اسم ( الله ) مشتقّ من هذا ، لأنّه سبحانه هو المقصود بالعبادة « 2 » وهو قول ضعيف جداً ، فإنَّ المعنى الظاهري للآية الكريمة هويتركك أنت وآلهتك التي صنعتها لهم ، والكلام مُوجَّه لفرعون من قِبَل الملأ المُحرِّضين ضدَّ موسى ( ع ) ، وهو تصوير بليغ ، وليس المراد أنّه يتركك أنت وعبادتك ، لأنّهم يعلمون جيداً بأنَّ موسى ( ع ) لم يعبد فرعون قطّ ، فكان الخوف من صرف الناس عن عبادة فرعون وأصنامه التي صنعها لهم ، هذا أوّلًا .
وأمّا ثانياً : فإنَّ دعوى الاشتقاق هذه مجرّدة عن الدليل ، فكلمة « أَلِه » كما
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 102 .
( 2 ) المصدر نفسه .