ونأمل أن نُوفَّق أيضاً في دراسات تخصّصيّة أُخرى لتأصيل خصوصيات وامتيازات لغة القرآن ، وما نذكره في المقام هو بنحو الفتوى من أنَّ القرآن الكريم يمتاز عمّا عداه بكلّ شيء ، بمعاجزه ومعارفه ولغته أيضاً .
ولكي يتّضح الموقف جليّاً في سؤالنا الثلاثي التفريع نعود لنؤكِّد بأنَّ المفردات الجديدة المستلّة من لغات أُخرى ، لا نحتاج فيها إلى الرجوع للغتها الأُمّ ، كما لا نحتاج إلى الرجوع إلى اللغة العربيّة أيضاً ، إلّا إذا كان استعمالها عربيّاً قبل أن يكون قرآنيّاً ، وأمّا إذا كان استعمالها البكر قرآنيّاً فلا مناص من الرجوع إلى الاستعمال القرآني ، وهذا يعني الرجوع إلى مداليل هذه المفردات في عصر النصّ ، ولا ريب بأنَّ هذه المهمّة ليست يسيرة ، بل هي عسيرة جدّاً ، لاسيَّما إذا لم يسعفنا سبب النزول أو شأنه .
على المفُسِّر الحقيقي المدُقِّق أن يبحث في المفردة حتّى يصل إلى مُعطاها القرآني ، ولكن مع ذلك لتسهيل مهمّة البحث لا ضير في العود إلى لغة الأمّ للمفردة دون تحكيمها ، فلعلَّ معناها الأصلي ، والّذي نُطلق عليه بالمعنى الأوّلي ، يُشكِّل للباحث قرينة تتّجه به إلى المعطى القرآني ، فإنَّ أصلها ومعناها الأوّل لا يعدو أن يكون معنى لغويّاً ، وقد عرفت أنَّ القرآن الكريم تجاوز المفاد اللغوي في موارد عديدة حتّى على مستوى اللغة العربيّة فضلًا عن غيرها .
بقي أن ندفع توهّماً وهو إذا كانت النسبة بين لغة القرآن الكريم واللغة العربيّة هي العموم من وجه ، فلا معنى لامتياز اللغة العربيّة ؛ إذ النسبة هي نفسها بين لغة القرآن وجميع اللغات الأُخرى التي استعمل منها القرآن بعض مفرداتها .
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 140
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤٠