وليس بمقدور الناس أن يتفهّموا دينهم عن الله تعالى مباشرة دون وسيط .
فالنبوّة سفارة عن الله تعالى تقوم بشرح العقيدة وإبلاغ الشريعة ، وإيضاح الحجّة ، ودعوة الناس إلى الله تعالى ، وبذلك يكون قول النبي سنداً لثبوت كلّ رسم من رسوم الدين وكلّ بند من بنود الشريعة ، فهو النموذج الأعلى الذي أعدّه الله للناس ليصوغوا أنفسهم على مثاله ، بأقواله يهتدون وبأعماله يقتدون ، كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ( الأحزاب : 45 - 46 ) . .
إذاً الحكمة الإلهية وفقاً للنظام الأصلح اقتضت أن يرسل إلى الناس نبياً أو رسولًا لإيصال أوامر الله تعالى ونواهيه لكي يتمكّن الإنسان من خلال امتثالها أن يصل إلى هدفه .
الدليل الثاني في الحاجة إلى الدين والنبوّة
يتألفّ هذا الدليل من مجموعة من المقدّمات ، تشترك بعضها مع مقدّمات الدليل الأول ؛ لذا نقتصر على الإشارة للمقدّمات غير المشتركة :
المقدمة الأولى : الإنسان مركّب من عقل وشهوة
تقدّم تفصيل هذه المقدّمة في الدليل الأول واتّضح أنّ الإنسان مركب من بعدين بعد روحيّ وبعد مادّي وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ( المؤمنون : 12 ) ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ( سورة ص : 72 ) والبعد الروحي هو الأصيل وهو المحققّ لإنسانية الإنسان ، وبه ينال الإنسان كماله ، وهو الذي يلتذّ ويتألم ويصل إلى السعادة أو الشقاوة ، أمّا البعد المادّي فهو تابع للبعد الروحي ، إذ إنّ الإنسان لا يمكنه أن ينمّي كمالات روحه إلّا من خلال المادّة ، بمعنى أنّ الروح لا يمكن أن تنال كمالها إلّا من خلال نشأة الابتلاء والامتحان .