الفصل الأوّل : في الحاجة إلى الدين والنبوّة
تساق في المقام أدلّة متعدّدة لإثبات حاجة الإنسان إلى الدين والارتباط بالله تعالى ، من خلال الأنبياء والمرسلين ، وسوف نكتفي بذكر دليلين فقط .
الدليل الأول على الحاجة إلى الدين
وهذا الدليل يبتني على بيان عدّة مقدّمات :
المقدمة الأولى : أن لهذا العالم خالقاً ورباً
وهذه المقدّمة تقدّم إثباتها في أبحاث التوحيد ، حيث سيقت عدّة من الأدلّة تفيد أنّ لهذا العالم خالقاً وربّاً .
المقدمة الثانية : أن الخالق حكيم وله غاية في فعله
وهذه المقدّمة تقدّمت أيضاً في أبحاث العدل الإلهي ، والمراد من حكمته سبحانه أنّه لا يهمل فعلًا تحتّمه المصلحة ، ولا يصدر قبيحاً تمنعه الحكمة ؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا لحاجة تضطرّ الفاعل إلى المخالفة ، وقد تنزَّه الباري عن الحاجة ؛ لغناه ، لأنّ الفعل الخالي من المصلحة يكون منشأ صدوره إمّا لجهل الفاعل بصلاح الشيء وفساده ، وقد ثبت أنّ الله عالم بكلّ شيء ، وإمّا لعبث يريده بذلك الفعل ، وهو تعالى منزَّه عن العبث ؛ قال تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( الأنبياء : 16 - 18 ) .
المقدمة الثالثة : الغاية من خلق الإنسان تحقيق سعادته في الدارين
لاشكّ أنّ الهدف الأسمى لخلق الإنسان هو إيصاله إلى الطهارة الباطنية والقرب الإلهي ، بحيث ينعكس التوحيد في ذاته وصفاته وأفعاله وهذا هو الكمال النهائي لخلق الإنسان .