ولا يمكن للإنسان أن يتّصف بجميع حدودها ، إلّا أنّه يكون قريباً من الله تعالى بمقدار اضطلاعه وتحلّيه بهذه الصفات الإلهية .
الصاعد إلى الله تعالى هو الاعتقاد لا العمل
في ضوء ما تقدّم من معنى القرب الإلهي ، ننتقل إلى نقطة أخرى مفادها أنّ الصاعد إلى الله تعالى هو الاعتقاد لا العمل .
هذه الحقيقة يمكن استيحاؤها من قوله تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ( فاطر : 10 ) ، حيث تشير الآية المباركة بوضوح إلى أنّ الصاعد إلى الله تعالى هو الاعتقاد لا العمل ؛ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ .
أمّا دور العمل فيقتصر على رفع ذلك الاعتقاد أو الكلم الطيّب إلى الله تعالى . أمّا ما هو الكلم الطيّب ؟ فهذا ما كشفت النقاب عنه آيات أخرى كقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ( إبراهيم : 24 ) حيث أشارت هذه الآية إلى أنّ المراد من الكلم الطيّب هو التوحيد ، فالكلم الطيّب وهو الاعتقاد المفسَّر بالتوحيد هو الصاعد إلى الله تعالى ، أمّا دور العمل فيقتصر على رفع ذلك الاعتقاد أو الكلم الطيّب .
وقبال ما استدلّ به على كون الاعتقاد والكلم الطيّب هو الصاعد دون العمل قد يطرح تساؤل يقول : لعلّ الصاعد إلى الله تعالى هو العمل لا الاعتقاد ، ومن ثمّ يكون تفسير الكلم الطيّب بالعمل لا الاعتقاد .
والجواب : إنّنا لو افترضنا أنّ الصاعد إلى الله تعالى هو العمل ، لحصل التنافي في نفس مفاد الآية ؛ وذلك لأنّ الآية قالت : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فإذا فسّرنا الكلم الطيّب بالعمل الصالح يكون معنى الآية : إليه يصعد العمل الصالح والعمل الصالح يرفعه . وهو واضح الفساد ؛