حقيقة القرب الإلهي
إنّ حقيقة القرب من الله تعالى هو حضور العبد بين يدي الله تعالى بمعنى الطاعة والانقياد وعدم الغفلة عنه تعالى ، وهذا بخلاف الإنسان الذي يكون غافلًا عن الله ، فهو بعيد عنه سبحانه ، كما في قوله تعالى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( القمر : 55 ) أو كما عبّرت زوجة فرعون حينما دعت الله تعالى ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ حيث كان لها معرفة بمقام القرب وعبّرت عن هذا القرب بقولها عِندَكَ أي : إني أريد بيتاً مجاوراً لك ، ومن الواضح أنّ هذا التعبير كنائيّ ، فليس للربّ بيت في الجنّة حتى يجاوره بيت آخر ، وليس القرب بينهما جسمانياً حتى يكون مكان أقرب إليه من مكان آخر ، والألفاظ قاصرة عن ذلك ، فلابدّ من التعبير بمثل هذه العبارات ، بمعنى أنّي أريد أن لا يكون بيني وبينك فصل وحجاب .
معنى آخر للقرب الإلهي
إلى جوار المعنى السابق للقرب الإلهي ، يوجد معنى آخر ، وهو أنّه كلّما كان الإنسان أكثر كمالًا وأقلّ نقصاً فهو أقرب إلى الله تعالى ، وكلّما كان أكثر نقصاً وأقلّ كمالًا فهو بعيد عن الله تعالى . ووجه ذلك : هو أنّ الله تعالى منشأ لجميع الكمالات ، فلا يمكن تصوّر موجود أكمل من الله تعالى ، فالكمالات العلمية والعملية اللامتناهية محصورة بالحقّ سبحانه ، فهو مركز ومنشأ لكلّ كمال ومعدن الجمال ، وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان الذي يكون متحلّياً بالصفات الجمالية للذّات الإلهية من العلم والحلم والعدل والعفو واللطف والرحمة والحكمة والكرم ونحوها ، يكون أقرب إلى الله تعالى ، وكلّما ابتعد الإنسان عن هذه الصفات الإلهية فهو بعيد عن الله تعالى .
وهذه الصفات الإلهية وإن كانت غير محدودة وواجبة في الذات الإلهية