إلى التعقّل والقواعد المنطقية . كذلك المعرفة الدينية ، فإنّها تحتاج - كما هو الحال في بقية المعارف - إلى التعقل والاستخدام الدقيق للقواعد المنطقية .
فالعقل هو المفزع في التمييز بين الخير والشرّ وتبيّن الحقّ من الباطل ، والعقل هو سرّ التفاضل في درجات الكمال ، وهو الملاك في استيجاب المنزلة والكرامة في الدنيا والآخرة .
إلّا أنّ الشيء المهمّ هو أنّ للعقل حدوداً معيّنة في المعرفة الإلهية ، لا يمكن أن يتخطّاها ، فالعقل عاجز عن تشخيص المصالح في الدنيا فضلًا عن الآخرة ؛ لأنّه محدود ناقص ، لا يحيط إحاطة كاملة بجميع نظام الوجود وعالم الغيب وجميع مصالح الإنسان ومفاسده ، فضلًا عن خصوصيات عالم الآخرة وقوانينها .
إذاً لابدّ للعقل من ركيزة أخرى وهي وحي الله تعالى إلى أنبيائه المصطفين . وعلى هذا الأساس نفهم طبيعة العلاقة والنسبة بين الدين والعقل ، فإنّ الدين يبيّن الطريق والصراط المستقيم للوصول إلى الكمال ، أمّا دور العقل فهو الدلالة على ذلك الطريق والصراط المستقيم ؛ ومن هنا فقد يملك الإنسان الطريق السليم ، لكن لا عقل له ، فلا يستطيع السير في ذلك الطريق ، وقد يملك الإنسان العقل ، لكن إذا لم يأتِ إليه الدين والوحي ويبيّن له الصراط والطريق السليم ، فلا يمكن لهذا الإنسان أن يصنع لنفسه صراطاً مستقيماً .
إذاً لا يمكن للوحي أن يستغني عن العقل ، ولا يمكن للعقل أن يستغني عن الوحي ، فهما كالجناحين الذي يطير بهما الطائر ، ولا يمكن للطائر أن يطير بجناح واحد .
وإلى ذلك يشير قوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( النساء : 165 ) ، إذ لو كان العقل
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 964
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٩٦٤