تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 949

مساهمون:

ص٩٤٩
وعلى هذا يكون معنى الآية : « استعذ بالله عند نزغة الشيطان ، فإنّ هذا هو طريق المتّقين ، فهم إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا أنّ الله هو ربّهم الذي يملكهم ويربيهم ويرجع إليه أمرهم ، فارجعوا إليه الأمر ، فكفاهم مؤنته ، ودفع عنهم كيده ، ورفع عنهم حجاب الغفلة ، فإذا هم مبصرون غير مضروب على أبصارهم بحجاب الغفلة » « 1 » . فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ( الحجر : 42 ) . بهذا يتّضح معنى الرحمة الخاصّة التي وعدها الله المتّقين‌من عباده وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ( الأعراف : 156 ) ، فإنّ هناك « رحمة إلهية عامّة يتنعّم بها المؤمن والكافر والبرّ والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور ، فيوجدون بها ويرزقون بها في أوّل وجودهم ، ثمّ في مسيرة الوجود ما داموا سالكين سبيل البقاء . ورحمة إلهية خاصّة وهي العطية الهنيئة التي يجود بها الله سبحانه في مقابل الإيمان والعبودية ، وتختصّ لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده ، من حياة طيّبة نورانيّة في الدنيا ، وجنّة ورضوان في الآخرة ، ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين . ويقابل الرحمة الخاصّة عذاب وهو الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا ، كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك ، وفي الآخرة من النار وآلامها ، ولا يقابل الرحمة العامّة شيء من العذاب ، إذ كلّ ما يصدق عليه اسم شيء فهو من مصاديق الرحمة العامّة لنفسه أو لغيره وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة ، وليس وراء الشيء شيء » « 2 » . بهذا يتّضح لماذا كان الأنبياء جميعاً يحثّون أممهم على التقوى .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 8 ص 381 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 8 ص 274 .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 949 | حميد مجيد هدو