تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 944

مساهمون:

ص٩٤٤
الإيمان الابتدائي غير مسبوق بالتقوى ، بل هما متقاربان أو هو قبل التقوى وخاصّة التقوى المستمرّة . والحاصل أنّ المراد من الإيمان في قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ليس هو مطلق درجاته ، بل تلك المرتبة منه التي يسلّم فيها العبد لربّه حقيقة معنى ألوهيته ، وينقطع عنه السخط والاعتراض ، فلا يسخط لشيء من أمره من قضاء وقدر وحكم ، ولا يعترض على شيء من إرادته ، وهذا هو الإيمان الكامل الذي تتمّ به للعبد عبوديته ، قال تعالى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( النساء : 65 ) . على أنّ توصيفه تعالى هؤلاء بأنّهم لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( يونس : 63 ) يدلّ على أنّ المراد منه الدرجة العالية من الإيمان الذي يتمّ معه معنى العبودية والمملوكية المحضة للعبد الذي يرى معه أنّ المُلك لله وحده لا شريك له ، وأن ليس إليه من الأمر شيء حتّى يخاف فوته أو يحزن لفقده . وذلك أنّ الخوف إنّما يعرض للنفس عن توقّع ضرر يعود إليها ، والحزن إنّما يطرأ عليها لفقد ما تحبّه أو تحقّق ما تكرهه ممّا يعود إليها نفعه أو ضرره ، ولا يستقيم تحقّق ذلك إلّا فيما يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً متعلّقاً بما يخاف عليه أو يحزن لفقده ، من ولد أو مال أو جاه أو غير ذلك ، وأمّا ما لا علقة للإنسان به بوجه من الوجوه أصلًا ، فلا يخاف الإنسان عليه ولا يحزن لفقده . والذي يرى كلّ شيء ملكاً طِلقاً لله سبحانه ، لا يشاركه في ملكه أحد ، لا يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً بالنسبة إلى شيء ، حتّى يخاف في أمره أو يحزن ، وهذا هو الذي يصفه الله من أوليائه يقول : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( يونس : 63 ) فهؤلاء لا يخافون شيئاً ولا يحزنون