الكلام فيه أنّ الإنسان له سفران :
سفر في الدنيا .
وسفر من الدنيا .
فالسفر في الدنيا لابدّ له من زاد ، وهو الطعام والشراب والمركب والمال . والسفر من الدنيا لابدّ فيه أيضاً من زاد ، وهو معرفة الله ومحبّته والإعراض عمّا سواه ، وهذا الزاد خير من الزاد الأوّل لوجوه :
الأوّل : أنّ زاد الدنيا يخلّصك من عذاب موهوم ، وزاد الآخرة من عذاب متيقّن .
الثاني : أنّ زاد الدنيا يخلّصك من عذاب منقطع ، وزاد الآخرة من عذاب دائم .
الثالث : أنّ زاد الدنيا يوصلك إلى لذّة ممزوجة بالآلام والأسقام والبليات ، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرّة ، آمنة من الانقطاع والزوال .
الرابع : أنّ زاد الدنيا وهي كلّ ساعة في الإدبار والانقضاء ، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة ، وهي كلّ ساعة في الإقبال والقرب والوصول .
الخامس : أنّ زاد الدنيا يوصلك إلى منصّة الشهوة والنفس ، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس ، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنّ خير الزاد التقوى .
إذا عرفت هذا ، فلنرجع إلى تفسير الآية : فكأنّه تعالى قال : لمّا ثبت أنّ خير الزاد التقوى ، فاشتغلوا بتقواي يا أُولي الألباب ، يعني إن كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور ، وجب عليكم بحكم عقلكم ولبّكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد ، لما فيه من كثرة المنافع . وقال الأعشى في تقرير هذا المعنى :
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 932
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٩٣٢