تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 935

مساهمون:

ص٩٣٥
« وأوصاكم بالتقوى ، وجعلها منتهى رضاه ، وحاجته من خلقه ، فاتّقوا الله الذي أنتم بعينه ، ونواصيكم بيده ، وتقلّبكم في قبضته ، إن أسررتم عَلِمَه ، وإن أعلنتم كتَبَه ، قد وكّل بذلك حَفَظة كراماً لا يسقطون حقّاً ، ولا يثبتون باطلًا . واعلموا أنّه من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظلم ، ويخلّده فيما اشتهت نفسه وينزله منزل الكرامة عنده ، في دار اصطنعها لنفسه ، ظلّها عرشه ، ونورها بهجته ، وزوّارها ملائكته ، ورفقاؤها رسله ، فبادروا المعاد وسابقوا الآجال . فإنّ الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ، ويرهقهم الأجل ، ويُسدّ عنهم باب التوبة . فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم ، وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم . وقد أوذنتم منها بالارتحال ، وأمرتم فيها بالزاد . واعلموا أن ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار ، فارحموا نفوسكم ، فإنّكم جرّبتموها في مصائب الدنيا . أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه ، والعثرة تُدميه ، والرمضاء تحرقه ؟ فكيف إذا كانبين طابقين من نار ، ضجيع حجر وقرين شيطان ؟ / / أعلمتم أنّ مالكاً إذا غضب على النّار ، حطّم بعضها بعضاً لغضبه ، وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعاً من زجرته » « 1 » . « معاشر الناس ، اتّقوا الله ، فكم من مؤمل ما لا يبلغه ، وبان ما لا يسكنه ، وجامع ما سوف يتركه ، ولعلّه من باطل جمعه ، ومن حقٍّ منعه ، أصابه حراماً ، واحتمل به آثاماً ، فباء بوزره ، وقدِم على ربّه آسفاً لاهفاً ، قد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين » « 2 » . « تجهّزوا رحمكم الله ! فقد نودي فيكم بالرحيل ، وأقِلّوا العُرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد ، فإنّ أمامكم عقبةً كؤوداً ، ومنازل مخوفة مهولة ، لابدّ من الورود عليها ، والوقوف عندها ، واعلموا أنّ ملاحظ المنيّة نحوكم
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة : 183 . ( 2 ) نهج البلاغة ، قصار الحكم : رقم 344 .