تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 888

مساهمون:

ص٨٨٨
يدرك حقيقتها عقولنا ، كالأمور المرتبطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الأموات والجمع والسؤال والحساب وتطاير الكتب ، أو كان ممّا هو خارج عن سنخ الزمان وإدراك العقول كحقيقة صفات الله تعالى وأفعاله ، فتأويلها أيضاً نفس حقائقها الخارجيّة . وما يمكن أن يذكر كدليل لذلك ما تقدّم بيانه في الأبحاث السابقة ، من أنّ جميع الأشياء التي في عالمنا المشهود لها وجود عينيّ خاصّ بها في الخزائن الإلهيّة ، لقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ . . . ( الحجر : 21 ) . ومن الواضح أنّ قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ يشمل كلّ ما يصدق عليه شيء ، فيكون القرآن الذي بأيدينا مشمولًا لعموم الآية أيضاً ، فيكون له وجود عينيّ خاصّ في مرتبة الخزائن الإلهيّة ، وهو حقيقته الواقعيّة العينيّة التي هي في عالم الغيب والملكوت . وهذا ما صرّحت به نصوص قرآنيّة عدّة كقوله : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( الزخرف : 4 ) ، فهذا القرآن الذي بين أيدينا ، هو تنزيل لتلك الحقيقة الواقعيّة المحفوظة في أمّ الكتاب التي من أهمّ خصائصها عدم محدوديّتها بحدٍّ معيّن ولا بقدر معلوم ولا تنالها العقول والأفهام وقد اقتضت العناية الإلهيّة بعباده تنزّل الحقيقة القرآنية على صورة كتاب مقروء بلباس عربيٍّ فصيح لعلّهم يعقلون ما لا تناله عقولهم في تلك المرتبة ، لأنّها حقيقة خارجة عن عالم اللّفظ والمفهوم . وهذا ما أشار إليه الطباطبائي في ذيل قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، بقوله : « الضمير للكتاب ، و « قرآناً عربيّاً » أي مقرّراً باللغة العربيّة ، و « لعلّكم تعقلون » غاية الجعْل وغرضه ، وهذا يشهد بأنّه له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس ، ومن شأن العقل أن ينال كلّ أمر فكريّ وإن بلغ من اللطافة والدقّة ما بلغ .