المناقشة الأولى : إنّ هذه الروايات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة . وعليه فمقتضى ما تقرّره قواعد التعارض بين الأدلّة ، هو سقوطها عن الاعتبار لعدم مقاومتها للأدلّة القطعيّة من النصوص القرآنيّة والروايات المتواترة مضموناً المؤيّدة بموافقة الكتاب ، ومخالفة النصوص النافية للكتاب .
المناقشة الثانية : لو غضضنا النظر عن المناقشة الأولى نقول : إنّ هذه الروايات النافية لا تعارض ما تقدّم من النصوص المثبتة ، لأنّ غاية ما تدلّ عليه هو نفي علم أهل البيت بالغيب بنحو الاستقلال عنه تعالى ، وهذا ممّا لا ريب في بطلانه ، وعليه فلا تتقاطع مع ما تقدّم من الأدلّة الدالّة على علمهم ( عليهم السلام ) بالغيب بإفاضة منه سبحانه .
المناقشة الثالثة : إنّ الروايات النافية لعلم الغيب لغيره تعالى ، تنطوي على معنى في غاية الأهمّية على صعيد أدب عبوديّة أهل البيت ( عليهم السلام ) لله تعالى ، إذ إنّ صفة العلم بالغيب من الصفات التي تتضمّن في أحشائها معنى الاستقلاليّة والربوبيّة ، ولذا يرى الذهن البشري أنّها مختصّة بالله تعالى من قبيل الخالقيّة والرازقيّة والإحياء والإماتة ، فهذه الصفات وإن أمكن أن يتّصف بها غيره تعالى بإذنه ، إلّا أنّ اقتضاء أدب العبوديّة لله تعالى ، دعا أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى رفض تسميتهم بالعالمين بالغيب ، ومن هنا لم يطلق القرآن الكريم على الرسول ( ص ) صفة العالم بالغيب ، بخلاف إطلاق صفة العبوديّة والرسالة والنبوّة .
والحاصل أنّ النصوص الروائية فضلًا عن الآيات القرآنيّة التي نفت علم غيره تعالى بالغيب ، إنّما هي بصدد بيان أنّ حقيقة علم الغيب هو علم غير مستفاد كعلم الله تعالى ، وأمّا علم غيره من الأنبياء والأوصياء بالغيب فإنّه لما كان علماً مستفاداً منه تعالى لا يكون علماً بالغيب حقيقةً ، وإنّما سُمّي بذلك نظراً إلى تعلّقه بالأمور الغائبة .
وبه يجمع بين الأدلّة التي دلّت على أنّهم عالمون بالغيب والأدلّة التي
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 876
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٨٧٦