قرينة على خلاف ذلك أو وجد مانع عقليّ يمنع من إرجاع الضمير إلى الأقرب ، وحيث إنّه لا قرينة على الخلاف ولا مانع عقليّ لذلك ، إذن لابدّ أن يرجع الضمير إلى الكتاب المكنون .
في ضوء هذه الحقيقة تدلّ الآية على أنّ الكتاب المكنون لا يمسّه أحد إلّا المطهّرون ؛ أي لا يعلمه علماً حضوريّاً شهوديّاً إلّا المطهّرون ، ولعلّنا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا إنّ السبب في تعبير القرآن « لا يمسّه » بدلًا عن التعبير ب - « لا يعلمه » لأجل أن لا ينصرف الذهن إلى العلم المتعارف الذي يمكن تحصيله من خلال العلم الحصولي بالمفاهيم والألفاظ . وقد تقدّم الكلام في بيان حقيقة اليقين القرآني وأنّه لا يحصل إلّا من خلال مسّ ومشاهدة حقائق وملكوت العالم ، كالذي يقع في النار ويحترق فيها ، فعلمه بالنار من خلال مسّه لحقيقة النار .
من هنا لا يكون مفاد « لا » في قوله « لا يمسّه » النهي عن مسّ الكتاب إلّا عن طهارة ؛ لأنّ لازمه أن تكون الطهارة منحصرة بالمادّية فقط ، بمعنى أنّ الإنسان إذا لم يكن متطهّراً من الخبث والحدث لا يجوز له مسّ القرآن ولمسه . وإنّما تكون « لا » نافية وليست ناهية ، ومن ثمّ تكون الآية بصدد الإخبار - معنىً كما هو لفظاً - عن هذه الحقيقة ، وهي أنّ الذي يقف ويشاهد الكتاب المكنون هم المطهّرون فقط ، الواجدون لجميع مراتب الطهارة بما فيها الطهارة القلبيّة .
المقدمة الرابعة : إن أهل البيت توفّروا على العلم بالملكوت
وقد استفاضت النصوص الروائيّة التي صرّحت أنّ أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) يعلمون ملكوت السماوات والأرض ، فعن عبد الله بن مسكان قال : قال أبو عبد الله الصادق ( ع ) : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قال :
كشط لإبراهيم السماوات السبع حتّى نظر إلى ما فوق العرش ،