الكتاب كلّه ، للزم أحد احتمالين :
الأوّل : أن يكون إخباره ( ص ) «
بأنّهما لن يفترقا
» إخباراً مخالفاً للواقع ، إمّا عمداً أو سهواً واشتباهاً .
الثاني : أن يكون القرآن الذي أخبر عن نفسه بأنّ فيه تبيان كلّ شيء ، مخالفاً للواقع ونفس الأمر .
وكلا الاحتمالين باطل جزماً .
أمّا الاحتمال الأوّل ، فهو باطل عقلًا ونقلًا .
أمّا عقلًا فلأنّه لو لم يكن الرسول ( ص ) معصوماً - ولو في مجال التبليغ على الأقلّ - للزم نقض الغرض ، ولذا أجمعت كلمة علماء المسلمين على عصمة النبيّ ( ص ) في مقام التبليغ ، وحديث الثقلين إنّما صدر في مثل هذا السياق كما هو واضح من قوله ( ص ) للمسلمين : «
ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً
» وهو إبلاغ وإخبار بوجوب الرجوع إلى الكتاب والعترة .
ولقائل أن يقول - كما ذكر بعض علماء السنّة - : إنّ الثابت أنّ النبيّ ( ص ) لا يتعمّد الكذب في مقام التبليغ ، وأمّا في غير حال التعمّد فلا دليل على نفيه . قال الشوكاني : « وهكذا وقع الإجماع على عصمتهم بعد النبوّة من تعمّد الكذب في الأحكام الشرعيّة لدلالة المعجزة على صدقهم ، وأمّا الكذب غلطاً ، فمنعه الجمهور وجوّزه القاضي أبو بكر » « 1 » .
والجواب : أنّ هذا الكلام - لو سلّمنا به جدلًا - غير وارد في المقام ؛ لأنّ نصوص حديث الثقلين لم تكن في واقعة واحدة حتّى يُقال بإمكان الاشتباه والغفلة فيها ، بل كرّر النبيّ ( ص ) ذلك في مواطن متعدّدة اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة كما قال ابن حجر ، ومن الواضح أنّ الغلط والاشتباه لا
هامش
( 1 ) إرشاد الفحول : ص 34 ، نقلًا عن الأصول العامّة للفقه المقارن : ص 167 .