والحاصل : ما من شيء ممّا خلقه الله سبحانه إلّا وله في خزائن الغيب أصل يستمدّ منه ، وما من شيء ممّا خلقه الله إلّا والكتاب المبين يحصيه قبل وجوده وعنده وبعده ، غير أنّ الكتاب أنزل درجة من الخزائن .
ومن هنا يتبيّن للمتدبّر الفطن أنّ الكتاب المبين - في عين أنّه كتاب محض - ليس من قبيل الألواح والأوراق الجسمانية ، فإنّ الصحيفة الجسمانيّة أيّاً ما فُرضتْ وكيفما قُدّرت لا تحتمل أن يكتب فيها تاريخ نفسه فيما لا يزال ، فضلًا عن غيره ، فضلًا عن كلّ شيء في مدى الأبد » « 1 » .
الأمر الثاني : النسبة بين الكتاب المبين والحوادث الخارجيّة
دلّت الآيات السابقة أنّ الكتاب المبين يحصي كلّ شيء كما قاله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ( النبأ : 29 ) ، فماذا تعني هذه الحقيقة القرآنيّة ، أنّ كلّ شيء في الكتاب المبين ؟
أهو هذه الأشياء من جهة شهادتها وغيبها جميعاً ، أم هي من جهة غيبها فقط ؟ وبعبارة أخرى : ما الكتاب المبين ؟ أهو هذا الكون المشتمل على أعيان هذه الأشياء لا يغيب عنه شيء منها ، وإن غاب بعضها عن بعض ، أم هو أمرٌ وراء هذا الكون مكتوبة فيه هذه الأشياء نوعاً من الكتابة ، مخزونة فيه نوعاً من الخزن ، غائبة عن شهادة الشهداء من أهل العالم ؟
يتضح مما تقدم أنه لا يمكن المصير إلى أنّ الكتاب المبين هو هذه الأعيان الخارجيّة الواقعة في متن الكون ، وذلك لأنّ هذه الموجودات والحوادث التي في عالمنا متغيّرة متبدّلة ، تجري عليها قوانين الحركة العامّة ، وقد تقدّم أنّ الآيات دالّة على عدم جواز التغيير والفساد في ما يشتمل عليه هذا الكتاب كما في قوله : فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ وقوله : وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ . . فهي - كما ترى - واضحة الدلالة على أنّ هذا الكتاب في عين أنّه يشتمل
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ص 127 .