الأمر الأول : خصائص الكتاب المبين
من خلال استعراض الآيات السالفة يتبيّن أنّ خصائص هذا الكتاب هي :
الخصوصيّة الأولى : فيه كلّ شيء ، كما نصّ عليه قوله تعالى : وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ( النمل : 75 ) .
الخصوصية الثانية : ثابت لا يتغير ، فالكتاب المكنون موجود قبل الوجودات الإمكانيّة ومعها وبعدها ، كما هو الحال في صورة العمارة المرسومة في ذهن المهندس ، فهي موجودة قبل البناء ومعه وبعده ، بل هي موجودة وإن انهدم البناء في الخارج .
وبذلك يتّضح أنّ الكتاب المبين ليس هو الكتاب التكويني ، أي أعيان الأشياء ومادّتها ، لأنّ هذه الأعيان متبدّلة متغيّرة تبعاً لقانون الحركة ، أمّا ذلك الكتاب فهو نحو كتاب ثابت لا يناله التبدّل والتغيّر .
الخصوصية الثالثة : لا يناله شيء من الخطأ والنسيان . وهذا ما تقتضيه وتؤكّده الآيات المتقدِّمة التي أشارت إلى أنّه محفوظ ، كما في قوله تعالى : قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ . . . ( طه : 52 ) ، فلا مجال فيه للنسيان أو الضلالة أو الخطأ والسهو .
الخصوصية الرابعة : عجز العقل البشري أن ينال ما في الكتاب المبين . وهذا واضح لأنّ العقل البشري لا ينال إلّا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ ، أمّا إذا كان الأمر وراء ذلك فلا يمكن للعقل أن يلامسه ، لأنّه خارج عن حدوده ودائرته .
وهذا المعنى هو الذي تحدّث عنه القرآن في قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( الواقعة : 77 - 79 ) ، فقد حصرت الآية الكريمة مسّ الكتاب المكنون والوصول إليه بالمطهّرين خاصّة ، أمّا من هم المطهّرون ؟ فهذا ما ستأتي الإشارة إليه .