فَقَدَ مرتبته السابقة ، بل هو صعود على نحو التجلّي ، كما أنّ ذاك تنزّل على نحو التجلّي .
وبهذا يتضح أنّ نزول القرآن الكريم ليس هو على نحو التجافي - كما لا يخفى - وإنّما هو على نحو التجلّي ، وفقاً للقاعدة التي تحدّثت عنها الآية المباركة : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ . . ( الحجر : 21 ) .
قاعدة منهجية
قبل الخوض في بيان حقيقة الكتاب المبين الذي يعدّ المرتبة العالية من القرآن الذي بأيدينا ، لابدّ من الإشارة إلى قاعدة منهجيّة في المقام ، حاصلها :
إنّ المفاهيم التي استعملها القرآن الكريم ، كالكتاب والعرش والكرسي واللّوح والقلم وغيرها ، يمكن أن تكون مختلفة المصاديق من حيث التجرّد والمادّية ، بمعنى أنّ المفهوم وإن كان واحداً إلّا أنّ المصاديق يمكن أن تتنوّع لتشمل - بالإضافة إلى المصداق المتداول في حياتنا الحسّية - مصاديق أخرى فوق العالم المشهود ، بنحو يكون الاستعمال فيها جميعاً حقيقيّاً .
قال الفيض الكاشاني في المقدّمة الرابعة من مقدّمات تفسيره : « إنّ لكلّ معنىً من المعاني حقيقة وروحاً ، وله صورة وقالب ، وقد تتعدّد الصور والقوالب لحقيقة واحدة وإنّما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ، ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتّحاد ما بينهما » « 1 » .
في ضوء هذه القاعدة قدّمت هذه النظرية فهمها لكثير من الحقائق القرآنية ؛ كاللّوح والقلم والكتاب والعرش والكرسيّ ، ممّا يفيد أنّ لهذه المفاهيم جميعاً حقائق واقعيّة ومصاديق خارجيّة تتناسب وشأنها ، لكن غاية
هامش
( 1 ) تفسير الصافي ، تأليف : أستاذ عصره ووحيد دهره المولى محسن الملقّب بالفيض الكاشاني ، المتوفّى سنة 1091 ه - ، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت - لبنان ، الطبعة الأولى : 1979 : ج 1 ص 29 .