تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 843

مساهمون:

ص٨٤٣
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ ( البقرة : 185 ) ، وقال : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( القدر : 1 ) ، وقال : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ . . . ( الشعراء : 193 - 194 ) . ونزول القرآن على نحوين :

الأول : النزول على نحو التجافي

هذا النحو من التنزّل لا يمكن تصوّره إلّا في عالم المادّة ، ومن أهمّ خصائصه أنّ الشيء إذا كان في أعلى فهو غير موجود في الأسفل ، وبالعكس . وقد استخدم القرآن الكريم هذا اللّون من النزول في قوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ( السجدة : 16 ) ، أي ترتفع جنوبهم عن الفراش ، بنحو عندما ينهض هؤلاء لا تبقى جنوبهم في المضجع بل تتجافى عنه وتتباعد .

الثاني : النزول على نحو التجلي

هذا النحو من التنزّل يتميّز بخصوصيّة ، هي أنّ الشيء المتنزّل لا يفقد وجوده في مرتبته السابقة بعد التنزّل ، على العكس من النزول بالنحو الأوّل ، فإنّ الشيء إذا نزل من أعلى لم يبق له وجود في المرتبة التي نزل منها . وبهذا يتّضح معنى قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ . . ؛ إنّ المراد من التنزّل من الخزائن الإلهيّة هو ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم تكن . وهو الذي يفسّر لنا حقيقة العلم الفعلي للحقّ تعالى ، وهو ظهور معلوم الحقّ سبحانه على ما علمه من علمه في مقام الذات . ولازمه أنّ علم الله سبحانه الذاتي لا يتحوّل ويتنزّل ليكون علماً فعليّاً عينيّاً في الخارج ، لأنّه لو كان كذلك لفقد مرتبته . هذا كلّه بحسب قوس النزول ، كذلك الأمر في قوس الصعود من هذا العالم إلى العوالم الأخرى ، يقول سبحانه : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ( فاطر : 10 ) ، فليس معناه أنّ الإنسان إذا صعد مرتبة وجوديّة ،