ومن أهمّ ما يستفاد من هذه الآية التي تعدّ من غرر الآيات القرآنية أمور :
الأوّل : ما من شيء في عالمنا المشهود إلّا وله وجود في تلك الخزائن . وهذا ظاهر قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ . . . حيث يفيد العموم بسبب وقوعه في سياق النفي مع تأكيده ب - « من » فيشمل كلّ ما يصدق عليه أنّه شيء ، من دون أن يخرج منه إلّا ما يخرجه نفس السياق ، وهو ما تدلّ عليه لفظة « نا » و « عند » و « خزائن » . وما عدا ذلك ممّا يُرى ولا يُرى مشمول لعموم نصّ الآية .
الثاني : إنّ هذه الخزائن متعدّدة ؛ لقوله : عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ حيث ذكرت الخزائن بصيغة الجمع ، وأقلّ الجمع اثنان . وهذا يفيد أنّ ما من شيء في عالمنا إلّا ويعبّر عن مرتبة من الوجود ، له فوقها خزائن ، فيكون للشيء مراتب ثلاث ، هي مرتبة هذا العالم ومرتبتان في تلك الخزائن وفق قاعدة أنّ أقلّ الجمع اثنان . كما يمكن أن تتنزّل إلى مرتبتين هما : مرتبة الوجود الظاهري التي في نشأتنا ، والمرتبة التي عبّر عنها القرآن « خزائن » . هذا على تقدير أن تكون الخزائن جميعاً في مرتبة واحدة ، على هذا الاحتمال يكون لكلّ شيء مرتبتان من الوجود على أقلّ تقدير .
أمّا عدد تلك الخزائن التي تحوي هذه الوجودات جميعاً ، فهو أمرٌ ينأى عن تحديده العقل ، ويحتاج القول فيه إلى دليل قطعيّ من القرآن أو الرواية ، يبيّن عدد تلك الخزائن « العوالم » .
وأهمّ خصوصيّة في هذه الخزائن أنّه جعل القدر متأخّراً عنها ملازماً للشيء عند نزوله منها : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ فالشيء وهو في الخزائن وإن لم يكن مقدّراً بهذا القدر الذي يلازم نزوله منها ، لكن مع ذلك ذكرت الخزائن بصيغة الجمع ، ومن الواضح أنّ العدد لا يلحق إلّا الشيء المحدود ، وهذا معناه أنّ هذه الخزائن لو لم تكن محدودة متميّزة بعضها عن بعض ، لكانت واحدة لا كثيرة .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 841
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٨٤١