تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 842

مساهمون:

ص٨٤٢
من هنا يتبيّن أنّ هذه الخزائن بعضها فوق بعض ، وكلّ ما هو عال منها غير محدود بحدّ ما هو دان ، غير مقدّر بقدره الذي يلازمه عند نزوله ، ومجموعها غير محدود بالحدّ الذي يلحق الشيء وهو في هذه النشأة . وباللغة الفلسفيّة : تنتظم تلك المراتب حسب قاعدة العلّة والمعلول ، بحيث تكون المرتبة الدانية مقيّدة بقيد عدميّ فاقدة لكمال ما ، على حين ليست المرتبة العالية التي علّتها مقيّدة بالقيد نفسه ، وإلّا لما كانت علّة والمرتبة الدانية معلولًا . الثالث : إنّ تلك الخزائن ليست هي في عالمنا المادّي المشهود ، بل هي من عالم آخر فوق عالمنا ؛ لقوله : إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ حيث أضافت الخزائن إلى الله سبحانه بقرينة « عندنا » ، وعند العودة إلى القرآن نراه يميّز بين « ما عندكم » وبين « ما عند الله » ويُعطي حكماً للموجودات والأشياء التي تدخل في دائرة « ما عندكم » مختلفاً عن الحكم الذي يعطيه للموجودات التي تدخل في دائرة « ما عند الله » حيث يقول سبحانه : مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ( النحل : 96 ) . وبربط هذه الآية مع الآية مورد البحث وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ يتّضح أنّ تلك الخزائن أمور ثابتة غير زائلة ولا متغيّرة لأنّها عند الله ، وما عند الله باق ، إذن هي فوق عالمنا المشهود ، لأنّ الأشياء في هذه النشأة المادّية وفي عالمنا المحسوس متغيّرة فانية لا تتّسم بالثبات ولا بالبقاء . وبهذا يتّضح أنّ الخزائن الإلهيّة التي تذكرها الآية ، هي جميعاً فوق عالمنا المشهود ، بحكم انتسابها إلى ما عند الله ، وما عند الله باق ، ومن ثَمَّ فهي أمور ثابتة غير زائلة .

كيفية تنزل القرآن

صرّحت الآيات الكريمة أنّ للقرآن نحو نزول إلى عالمنا هذا ؛ قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( يوسف : 2 ) ، وقال :