إذن لا يلزم من السريان القول بالحلول ، لأنّ سريان الحقّ في الأشياء ليس إلّا سريان تجلّيات الحقّ وظهوراته .
الثالث : الاتحاد مع الحق سبحانه
إن لازم القول بوحدة الوجود هو الاتحاد مع الحق سبحانه ، لأن الوجود بشراشره وجود واحد شخصيّ ، فيكون الحقّ والعبد واحداً بالشخص . وهذا هو الاتحاد - تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً - .
وهذا هو الاتهام العامّ الذي تُتّهم به الصوفية ، وكذلك ما نجده في كتب الكثير ممن يتّهم العرفاء به أيضاً ، منهم ابن تيمية في جملة من كتبه وفتاواه ، قال : « مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ ( فُصُوصِ الْحكمِ ) وَمَا شَاكَلَهُ من الْكَلامِ : فَإنَّهُ كُفْرٌ بَاطنًا وَظَاهرًا ؛ وَبَاطنُهُ أَقْبَحُ مِنْ ظَاهره . وَهَذَا يُسَمَّى مَذْهَبَ أَهْلِ الْوَحْدَة وَأَهْل الْحُلُول وَأَهْلِ الاتِّحَاد . وَهُمْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ الْمُحَقِّقينَ . وَهَؤُلاء نَوْعَان : نَوْعٌ يَقُولُ بِذَلكَ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ صَاحِب الْفُصُوصِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَاله ، مثْلُ ابْن سَبْعينَ وَابْنِ الْفَارِضِ والقونوي والششتريّ وَالتِّلْمسانيّ وَأَمْثَالهمْ ممَّنْ يَقُولُ : إنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ ، وَيَقُولُونَ : إنَّ وُجُودَ الْمَخْلُوق هُوَ وُجُودُ الْخَالقِ لا يُثْبتُونَ مَوْجُودَيْن خَلَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ بَلْ يَقُولُونَ : الْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ ، وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ . « 1 »
وقد أجاب صدر المتألّهين : أن هذا الإشكال إنما نشأ من الخلط بين قسمين من الوجود أحدهما هو وجود الحقّ سبحانه ، والآخر هو الفيض المنبسط عن هذا الوجود ، وليس الخلق الفائض من الحقّ عين الحقّ ، بل مظاهره وشؤونه . قال ما محصّله : « إنّ للأشياء في الموجودية مراتب :
هامش
( 1 ) مجموع الفتاوي ، ابن تيمية الحراني ، أحمد بن عبد الحليم ، تحقيق أنور الباز وعامر الجزار ، الرياض ، دار الوفاء ، الطبعة الثالثة ، 1426 ه - : ج 2 ، ص 364 .