المقام الثاني : تصوير الوحدة الشخصية
لتقريب معنى الوحدة الشخصية إلى الأذهان نستعين بمثال جاء في كلمات الغزالي وهو أننا لو وضعنا يدنا على النفس الإنسانية نجد أنها واحدة بالوحدة الحقيقية ، وهذه الوحدة سنخ وحدة تنسجم مع الكثرة ، لأن لها قوى من العاقلة والمتخيّلة والواهمة والحاسّة ، وبدناً وأعضاء وجوارح ، وكلّها موجودة بوجود واحد ، وعندما نقول أنها موجودة بوجود واحد ليس مرادنا الجمع العددي لهذه الأجزاء ، بل المراد شيء وراء هذه القوى ووراء هذه الأجزاء وهي النفس . ولكن النفس عندما تريد أن تعمل إنما تعمل من خلال هذه الأجزاء والقوى ، فإذا أرادت أن تقوم بعمل فكريّ فإنّه يظهر من خلال قوة تسمّى العاقلة ، وإذا أرادت أن تقوم بعمل غضبيّ فإنه يظهر من خلال الغضبية ، فالنفس واحدة وفي وحدتها لها مظاهر وقوى وهي شيء وراء هذه القوى .
والوجود عند العرفاء حقيقة واحدة لا تكثّر فيه لا ذهناً ولا خارجاً ، وهذه الحقيقة مجهولة الكنه لا نعرفها ولكن لها تعيّنات ومظاهر ، فتظهر من خلال مظهر نسمّيه « عالم العقل » وتظهر أخرى من خلال مظهر نسمّيه « عالم المثال » وتظهر ثالثة من خلال مظهر نسمّيه « عالم الشهادة » .
وأيضاً لهذه الحقيقة تعيّنات تسمّى بعالم الأحدية وعالم الواحدية ، وكلّ ذلك لا يوجب تعدّد الحقيقة ، بل هي باقية على وحدتها لا تكثّر فيها ، كما أن النفس واحدة مجهولة الكنه لها قوى ومظاهر .
قال صدر المتألّهين في شرح الهداية الأثيرية : « الصوفية من أهل الوحدة قائلون بأن ليس في الوجود إلّا الوجود الحقيقي ، والعالم ليس الّا شؤونه وظهوراته وتعيّناته » . « 1 »
هامش
( 1 ) شرح الهداية الأثيرية ، صدر المتألهين ، بيروت ، مؤسسة التاريخ العربي : ص 246 .