الأمر الثاني : وحدة الوجود ووحدة الشهود
إنّ مسألة وحدة الوجود - والتي هي محل كلامنا - تختلف عن مسألة وحدة الشهود ، وللعرفاء في أنّ الوحدة على نحو وحدة الشهود أو على نحو وحدة الوجود رأيان :
الرأي الأول : أنّ الوجود واحد مفهوماً ومتكثّر واقعاً ، إلّا أنّ العارف يرى الأشياء واحدة ، ويرى في كلّ شيء جلال الحق وجماله ، ويشاهد تعلّقه بالحقّ سبحانه . وهذا ما يستفاد من كلمات جملة من العرفاء القدامى منهم الغزالي حيث قال : « للتوحيد أربع مراتب - إلى أن يقول - الرابعة : أن لا يرى في الوجود إلا واحداً ، وهي مشاهدة الصدّيقين ، وتسمّيه الصوفية الفناء في التوحيد ، لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً فلا يرى نفسه أيضاً ، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقاً بالتوحيد ، كان فانياً عن نفسه في توحيده ، بمعنى أنه فني عن رؤية نفسه والخلق » .
ثم يقول : « والرابع : موحّد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد ، فلا يرى الكلّ من حيث إنه كثير ، بل من حيث إنّه واحد . وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد » « 1 » .
الرأي الثاني : أنّ الوجود واحد مفهوماً وكذلك واحد مصداقاً وحقيقة ، إلا أن له مجالي ومظاهر كثيرة ، وهذا هو مختار ابن عربي ومن تبعه .
والفرق بين الرأيين واضح فإن وحدة الشهود لا تعارض كثرة الوجود ولا تعارض وحدة الوجود ولا تشكيكه ، بل هي منسجمة مع الرأيين ، والذي نحن بصدد تصويره والبرهنة عليه في هذه المقالة هو وحدة الوجود لا وحدة الشهود .
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين ، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ، بيروت ، دار المعرفة : ج 4 ، ص 245 - 247 ، ربع المنجيات ، كتاب التوحيد والتوكل ، بيان حقيقة التوحيد .