قد يأتي هنا تساؤول مفاده : كيف تجتمع هذه الوحدة السارية ، مع الكثرة ؟
يجيب صدر المتألّهين على ذلك : إنه بناء على الوحدة الانبساطية والسريانية توجد حقيقة واحدة ذات درجات متفاوتة ومراتب مختلفة ، كالنور الذي يبدأ من مبدئه وله ألف درجة من النور ثم ينفصل عن المبدأ فيضعف النور فيصير تسعمائة درجة ثم يصير ثمانمائة درجة ، وهكذا يضعف إلى أن يصل إلى حدّ لو سقط منه درجة لصار لا نور ، كذلك الوجود له درجة قريبة من المبدأ ثم يضعف بابتعاده عن المبدأ شيئاً فشيئاً إلى حدّ لو سقط من هذا الحدّ لصار عدماً ولا شيئية .
ويلاحظ عليه : إنّ هذا التصوير لنظرية صدر المتألّهين صحيح ، ولكن لا يعدّ بهذا المقدار فارقاً بين هذه النظرية ونظرية المشّائين ، إذ قد علمنا أنّ المشّائين أيضاً يعتقدون أن الوجود أصيل ، ولازم الأصالة أن الذي ملأ الخارج هو الوجود لا غيره ، بل الفارق يكمن في نقطة أخرى سيأتي بيانها .
النظرية الثالثة : وحدة الوجود وكثرة المظاهر
تعتقد المدرسة العرفانية أن الوجود واحد ، ولا يوجد في مقابل هذا الوجود شيء ومرتبة بحيث تكون هذه المرتبة أعلى المراتب ، ومع ذلك ليس الكثرة مجرّد وهم وخيال ، بل هي شؤون الحقّ سبحانه ومظاهره .
والفرق بين ما يعتقده العرفاء وبين الحكمة المتعالية أن العرفاء يعتقدون بوحدة الوجود وكثرة المظاهر ، والحكمة المتعالية تعتقد بتعدّد الوجود وتكثّره ، هذا ما نراه من الفرق بحسب الظاهر من كلماتهم .
من هنا قد يطرح هذا التساؤل وهو : هل هذه الكثرات بالدقّة الفلسفية موجودة ؟
لو تكلّمنا بلغة فلسفية فلابدّ من القول بوجودها ؛ إذ لا واسطة بين الوجود والعدم ، ولكن مدرسة العرفاء تأبى عن إطلاق الوجود على هذه