نفس الآن يوجد بينها شدّة وضعف ، فتكون حقيقة واحدة ذات مراتب كثيرة .
قال في « الأسفار » : « وأمّا على ما حقّقناه من أنّ هذا المفهوم الانتزاعي ( مفهوم الوجود ) له أفراد حقيقية نسبته إليها نسبة العرض العامّ إلى الأفراد والأنواع فليست قويّة الورود ، بل يمكن دفعها بأدنى تأمّل ، وهو أنّ هذا المفهوم وإن كان منتزعاً من الماهية بسبب عارض ، لكنّه منتزع من كلّ وجود خاصّ حقيقيّ بحسب ذاته بذاته ، فإذن نسبته إلى الوجودات الخاصّة نسبة المعاني المصدرية الذاتية إلى الماهيات كالإنسانية من الإنسان والحيوانية من الحيوان حيث ثبت أنّ اشتراكها معنى تابع لاشتراك ما ينتزع هي منه - وكذلك تعدّدها فيه تابع لتعدّد ما ينتزع منه فإنّ الإنسانية مثلًا مفهوم واحد ينتزع من ذات كلّ إنسان ولا يمكن انتزاعها من ماهيّة فرس أو بقر أو غير ذلك - فاتّحادها في المعنى مستلزم لاتّحاد جميع ما صدق هي عليها بحسب ذاتها معنى ، سواء كان ذلك المعنى جنساً أو نوعاً » . « 1 »
لكن هذا البيان بهذا المقدار لا يثبت التشكيك الخاصّي الذي يعتقده صدرالمتألّهين ، وذلك أنّ مجرّد اشتراك أشياء كثيرة في أمر بحسب الذات إنما يوجب الوحدة بينها بحسب السنخ مثل أفراد الإنسان ، فإنّ هذه الأفراد متكثّرة ومشتركة في الإنسانية وهي أمر من حاقّ ذات الأفراد ، فكذلك بناء على أصالة الوجود تكون الأشياء مشتركة في حقيقة هي حاقّ الذوات والموجودات فتكون الأشياء المتحقّقة كلّها واحدة بحسب السنخ ، والوحدة السنخية ليس وحدة بالفعل ، إذ لا يوجد في الخارج شيء واحد ، بل أشياء متكثّرة لا ارتباط بينها في الخارج بنحو يفيد أنّ الوحدة بينها وحدة فعليّة وانما هي واحد في الذهن ، وهذا يعني أنها واحدة بالقوّة . هذا نهاية ما يفيده
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، صدر المتألهين ، محمد بن إبراهيم ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، الخامسة : 1419 ه - : ج 6 ، ص 60 .