الكُمّل من السير والتحقّق في جنّة المأوى .
إنّ تلك المراتب « 1 » وإن كانت مراتب كمالية تطهيرية إلّا أنّها في مرتبة أدنى من مرتبة التطهير الأكمل وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ( الأحزاب : 33 ) . فتلك الجنّة المُثلى والبهجة الكبرى إنّما أعدّها الله تعالى للمتّقين الذين تحقّقوا بها بعدما خلّفوا تلك الأدناس الظلمانية والحُجب النورانية وراء ظهورهم دون أن يُعقّبوا قاصدين وجهه تعالى ، فنالوا البقاء ببقائه وغادروا البقاء بإبقائه وذلك هو الخلود الأعظم .
ومن الجدير بالذكر أنّ الآية الكريمة قد عبّرت ب - « أُزلفت » أي : قُرّبت الجنّة لهم « 2 » فصاروا هم المقصد للجنّة وليست الجنّة هي المقصد .
السّر والخفيّ والأخفى
إنّ لفظ السرّ يُطلق على ما يكون مصوناً مكتوباً بين العبد والحقّ سبحانه في الأحوال « 3 » ، وأمّا مقام السرّ في اصطلاح جملة من العرفاء فإنّ المراد به هو الفناء عن الذات بحيث لا يرى أناه البتّة وليس هنالك ما هو مرئيّ سوى الله تعالى :
ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه
. « 4 » وهذا هو المقام الخامس من ضمن المقامات السبعة أو الأقاليم السبعة . ثمّ يكون المقام السادس وهو الخفي أو الخفاء حيث يحصل فناء آخر وهو فناء صفاته وأفعاله « 5 » ، ثمّ يكون
هامش
( 1 ) أي : أنوار مقام القلب وأضواء مقام الروح وهي الشراب الطهور .
( 2 ) انظر : مجمع البيان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ص 337 .
( 3 ) انظر : الرسالة القشيرية : ص 167 .
( 4 ) مصباح الهداية ، مصدر سابق : ص 22 .
( 5 ) إنّ تقدّم فناء الذات على فناء الصفات والأفعال ليس منطقياً ، إذ لا معنى لبقاء الصفات والأفعال بعد فناء الذات فإنّها سالبة بانتفاء موضوعها ، بخلاف ما لو قلنا إنّ فناء الذات يكون بعد فناء الصفات والأفعال ، وهذا ما نستقربه عقلًا . ولكن يمكن توجيه ما قيل بكون المراد من مقام السرّ هو فناء الذات والمراد من الخفي هو الفناء في صفات الله تعالى وهو خاتمة / / السفر الثاني ، ثمّ يأتي الفناء عن الفناءين الذي يعني الصحو بعد المحو فتحصل له العودة إلى الذات والخلق بعد ما صار وليّاً وهو مفاد السفر الثالث ومنه إلى السفر الرابع حيث السير في الخلق بالحقِّ .