السفر الرابع : من الخلق إلى الخلق بالحقّ
المراد من السفر الرابع
اتضح أنّ السفر الثاني يُمثّل الخزائن المعرفية التي يتزوّد العارف منها لأنه في الحقّ بالحقّ ، وأمّا ما نحن فيه فإنّ السير فيه هو في الخلقّ بالحق ، فيكون السفر الرابع مقابلًا للسفر الثاني . وحيث إنّ الثاني كان سيراً في الحقّ فهو سفر كلّه نيل وأخْذ وتزوّد وامتلاء . وحيث إنّ السفر الرابع هو سفر في الخلق منهم وإليهم ، فإنّه سفر كلّه عطاء وفيض ، حيث ينطلق فيه العارف الأكمل نحو أداء تلك الوظيفة الربّانية والسفارة الإلهية ، فيُري النفوس جادّة الطريق ويأخذ بقلوب الخلق نحو غاية المطلوب وكأنّه طبيب دوّار بطبّه .
فوظيفة السالك والعارف في السفر الرابع هو مداواة الناس ، وذلك من خلال إيصال الشريعة المقوّمة لحياة الإنسان والمنظّمة لكلّ حركاته وسكناته في حياته العملية ومعتقداته العقلية والقلبية .
ومن الواضح أنّ النبوّة التشريعية ليست ثابتة لكلّ سالك وعارف وإنّما هي الهبة الإلهية والسفارة الربانية التي لم تُعط إلّا لعدد قليل منهم ، وقد أُغلقت دائرتها بنبوّة الخاتم ( ص ) كما صرّح ( ص ) بذلك وهو يقول لأمير المؤمنين علي ( ع ) عندما خلّفه على المدينة في غزوة تبوك : «
أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي من بعدي » « 1 »
. فهو ( ص ) قد تحقّق بما لم يتحقّق به غيره من الحقائق ، فكان قطب الرحى والمصداق الأتمّ للاسم الأعظم ، وهو صاحب مقام الخاتمية ، والجامع بين
هامش
( 1 ) كنز العمال ، مصدر سابق : 32881 .