يبدأ بالتعرّف والتحقّق في ذلك ، فيُبصر أفعال الله تعالى بمعانيها الدقيقة فينتهي إلى فناء أفعاله الشخصيّة بأفعال الله تعالى ، ويبصر صفات الله تعالى فتفنى صفاته الشخصيّة بصفات الله تعالى ، ثُمّ تبقى ذاته وهي مجرّدة عن أفعاله وصفاته فيبصرها متعلّقه بذات الله تعالى فتفنى ذاته في ذاته تعالى .
وقد قلنا إنَّ معنى الفناء - في البحث السابق - هو أنّه لا يلتفت إلى كلّ ما عدا الله تعالى ومن ذلك أفعاله وصفاته وذاته ، ولكنّ الفناء هنا سوف يستبطن معنىً أعمق وأجلّ ، وهو أن يكون فعله فعل الله وصفاته صفات الله تعالى .
وينبغي أن يُعلم أنّ الشروع في هذا السير إنّما يكون بعد زوال المحو وعودة الصحو فيما إذا أدركته العناية الإلهية « 1 » ، فيبدأ سيره اللامتناهي نحو المنتهى .
خصوصيات السفر الثاني
الخصوصية الأولى : المبدأ والمنتهى في السفرالثاني سيكون منه تعالى وإليه . فإنّ السالك في خاتمة سفره الأوّل انتهى إلى معرفة إجمالية عن الحقّ ، فلم يدخل عالم الأسماء والصفات والأفعال الإلهية بعد ، ولذا سوف تبدأ معرفة أخرى ومن نوع أخر .
بعبارة أخرى : إنّ السالك في السفر الأوّل كانت معرفته بالحقّ تعالى محدودة بحدوده ومتناهية ، وكان ما يعرفه عن أسماء وصفات الله تعالى معرفة بعيدة عن مُعاينتها والتمظهر بها ، وهذا بخلاف المعرفة الأسمائية والصفاتية للحقّ في السفر الثاني ، فإنّ العبد السالك سوف يكون مظهراً لتلك الأسماء والصفات - كلّها أو جُلّها أو بعضها ، ذلك بحسب همّته - وهذا ما عنيناه بالمعرفة التفصيلية .
هامش
( 1 ) رسالة في تحقيق الأسفار الأربعة ، مصدر سابق : ص 394 .