فبعضهم كان يقول : « سبحاني ما أعظم شأني » « 1 » ، ويُنسب إلى آخر أنّه كان يقول :
ثمّ بدا في خلقه ظاهراً في صُورة الآكل والشاربِ « 2 »
إن هذه الحال والمرتبة على سموّها ورفعتها ، تُعتبر من المراحل الحسّاسة من مراحل السير والسلوك والخطيرة أيضاً ، حيث يكون بعضهم عرضة لصدور بعض الشطحات الموجبة - ظاهراً - لكفرهم .
وينبغي أن يُعلم بأنّ هذه الشطحات إنّما تصدر منهم وهم في حالة المحو لا في الصحو « 3 » ، حالة الغفلة « 4 » عن كلّ شيء لا حالة الحضور والالتفات إلى الكثرة .
وعلى أيّ حال ، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو : أيكون السالك في حالة صدور مثل هذه الشطحات منه معذوراً أم غير معذور ؟
هنا يوجد بحثان :
الأوّل : بحث فقهيّ ، وهو خارج عن محلّ الكلام ، ولكن إن قلنا بأنه قالها
هامش
( 1 ) يُنسب هذا القول إلى أبي يزيد البسطامي ، وهو من السلّاك المشهورين ، والذي يرى صاحب الرسالة القُشيرية أنّه كان من جملة الداعين إلى الالتزام بالشريعة المقدّسة ويحرصون على ذلك ، حيث يقول : « قال أبو يزيد : لو نظرتم إلى رجل أُعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء ، فلا تغترّوا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة » ، الرسالة القشيرية ، مصدر سابق : ص 56 .
( 2 ) يُنقل ذلك عن الحسين بن منصور الحلّاج ، انظر : سير أعلام النُبلاء ، للحافظ محمّد بن أحمد الذهبي : ج 14 ص 345 ، مؤسّسة الرسالة ، 1985 م ، بيروت .
( 3 ) الصحو : رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة ، والمحو : رفع أوصاف العادة . انظر : الرسالة القُشيرية : ص 144 - 147 .
( 4 ) ولكنّها غفلة تصبو لها القلوب وتطرب لها الأرواح ، فهي مرتبة سامية من مراتب الكمال ، بخلاف تلك الغفلة الأُولى عن عالم الوحدة والانشغال التامّ بعالم الكثرة . فالثانية لمن آثر السفر على الإقامة في دار الغرور والغَرَر ، والأولى لمن آثر الإقامة على السفر .