تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 768

مساهمون:

ص٧٦٨
هذه النشأة المادّية ( من الخلق ) وهي نشأة لم يكن الإنسان قد تعرّف فيها على الله سبحانه وتعالى إلّا بقدر ما يحمله من ارتكاز وفطرة ، وأنّه لم تبدأ رحلته بعد . ويعني هذا أنّ الإنسان ما دام منطلقه الأوّل مادّياً وأنّه سوف يضع قدمه في أوّل الطريق فإنّ وجوده وجود مادّي ولم يصر بعدُ وجوداً حقّانياً . والوجود الحقّاني هو الوجود الذي لا موضع للأنانية فيه ، فكلّه لله تعالى ، حيث لا يرى شيئاً في كلّ شيء سوى الله تعالى ؛ ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه « 1 » ، إنه يسير في سفره الأوّل باتّجاه التخلّص من أنانيته وإنّيته ، وما دام هو في دائرة وحدود هذا السفر ( من الخلق إلى الحقّ ) فإنّ للأنانية صوتاً وللذات قدماً في مرتكز النفس . إنّه سفر من عالم الكثرة ( الخلق ) إلى عالم الوحدة ( الله تعالى ) وأنّ السالك في هذا السفر لابدّ أن يجعل الكثرة مُحتجبة بالوحدة ، لا أن يجعل الوحدة محتجبة بالكثرة ؛ فإنّه في مبدأ هذا السفر كانت الوحدة عنده محتجبة بالكثرة ، لكنّه في خاتمة هذا السفر لابدّ أن تكون الكثرة هي المحتجبة بالوحدة . والاحتجاب هو عدم رؤية عالم الكثرة ، لا أنّه عدمٌ لعالم الكثرة . بعبارة أُخرى : هو عدم الالتفات إلى الكثرة والانشغال التامّ بالوحدة . ولعلك تسأل : أيُعقل أن لا يلتفت الإنسان إلى أفعاله ؟ والجواب هو أنّ هذا المعنى حاصل ، ولنا شاهد قرآنيّ على حصوله ، وهو قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ، فالنسوة هنا مع كونهنّ أضعف الناس إلّا أنّهن لم يجدن ألم قطع الأيدي عند لقائهنّ يوسف ( ع ) بل صحْنَ بدهشة : مَا هذَا بَشَراً وقُلن بوجد : إِنْ هذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ( يوسف : 31 ) .
هامش
( 1 ) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية ، مصدر سابق : ص 22 .