الشاهدة بصدقة » « 1 » .
فتلخّص من هذا - وممّا تقدّم « 2 » - أنّ المظهر الأتمّ للاسم الأعظم في القوس النزولي هو النور المحمّدي ، أو ما يُسمّى أيضاً بالحقيقة المحمّدية « 3 » ، فهو وجود حقيقيّ خارجيّ وعين مُشخَّصة بذلك النور الأتمّ والتجلّي الأكمل ، وهكذا الحال مع بقية الأسماء الحُسنى ، فكلّها حقائق عينية .
قوسا الوجود « النزول والصعود »
ينبغي أن يُعلم بوجود علاقة وثيقة وأصيلة بين أعلى مراتب العالم العلوي والمتمثّلة بالصادر الأوّل والمظهر الأتمّ للاسم الأعظم ، وبين ما دونه من عوالم ومراتب أُخرى ممّا تحيّز في رقعة الوجود والإمكان ، فكان هو العلّة الفاعلية أو المبدأ الفاعلي في إيجاد وصدور ما دونه من عوالم شتّى ، لكن لا على نحو الاستقلال ، وإنّما هي إرادة بتبع إرادة الله سبحانه وتعالى ، فلا تعصف بك التوهّمات . وحيث إنّ كلّ ما دونه هو في أصله نازل أو مُتنزّل منه فقد عُنوِنَت تلك العلاقة العلّية الأوّلية أو رُسمت على مستوى نصف دائرة سُمّي بقوس النزول « 4 » ، فإذا ما أُطلق هذا العنوان فإنّه يُراد به عملية الصدور
هامش
( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، لأمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي : ج 3 ص 252 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الأولى ، 1415 ه - .
( 2 ) أي : في بحث عالم العقل .
( 3 ) الحقيقة المحمّدية ليست شخصاً بعينه وإنّما هي مقام عال مصداقه الأتمّ هو الرسول الكرم محمّد بن عبد الله ولذا سُمّيت تلك الحقيقة باسمه الشريف . فشخص الرسول الخارجي المادّي العنصري مصداق لتلك الحقيقة الأعلائية المقدّسة . انظر : شرح تمهيد القواعد للشيخ عبد الله جوادي الآملي الطبري : ص 426 .
( 4 ) لعلّ النكتة في تسمية القوس - النزولي والصعودي - بذلك هو أنّ هنالك عملية بدء وعملية عود ، والبدء هو النزول والصدور من الصادر الأوّل ، والعود هو الرجوع إلى الصادر الأوّل ، فهو مركز وقطب عالم الإمكان ، ولكي يصبح تصوير البدء من نقطة والعود إليها مُمكناً مثّل لكلّ منهما بنصف دائرة ، وكلّ نصف هو على شاكلة القوس لكي يصطفّ القوسان فيكوّنا / / دائرة ، ويكون العود - صعوداً - إلى المبدأ الصدوري والنزولي متعقّلًا ، وهذا بخلاف ما لو عُبّر عن النزول والصعود بخطّ النزول وخطّ الصعود فإنّه لا يمكن تعقّل العود « الصعود » والوصول إلى نفس نقطة المبدأ والنزول ، لأنّ كلّ خطيّن إمّا أن يكونا متعاكسين أو متوازيين أو متقاطعين ، وفي كّل الأحوال سوف يستحيل الالتقاء والعود إلى نفس نقطة المبدأ . أمّا الأوّل والثاني فواضحان ، وأمّا الأخير فهو لا يمثّل ما نحن فيه فضلًا عن كون انطلاقهما من نقطة التقاطع يمنع التقاءهما ، فيعودان متعاكسين . فلا خصوصية للتعبير بالقوسين سوى أنّهما يقرّبان هذا المعنى . يقول صدر المتألّهين : « وقد شبّهت الحكماء والعرفاء هاتين السلسلتين النزولية والصعودية بالقوسين من الدائرة إشعاراً بأنّ الحركة الثانية انعطافية غير مارّة على الأولى ، انظر : الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 9 ص 321 .
واعلم أنّ أصل النزول والصعود الحقيقيين لا يمتّان بصلة إلى عالم المادّة والحسّ ، وإنّما هي ظهورات عديدة تبدأ وتنتهي عند الصادر الأوّل وعلى نحو التجلّي ، وسوف يتّضح لك ذلك عمّا قريب ، فانتظر .