أيضاً بعلل الأحكام في الأعمّ الأغلب غائبة عنا ويعسر الوصول إليها .
وعدم العلم بالملاكات قد يُوصل البعض إلى الاعتراض على مجموعة من الأحكام الشرعية ، وأحياناً يكون الاعتراض بصورة غير لائقة ! وهذا كاشف إنِّيّ عن كون المعترض فاقداً لأدب العبودية ، مع أن القرآن يهتف فينا : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( البقرة : 216 ) ، و : لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ( النساء : 11 ) . ومن هنا يمكن لنا أن نفهم لماذا يعترض الإنسان الجهول على الأحكام الشرعية المختصّة بالحدود والحجّ وإرث النساء وما إلى ذلك ، فذلك لأنه لا يدري ما هو الأنفع له ، وهذا لا يعني أن يبقى الإنسان على جهله وإنّما عليه أن يتعلّم ويبذل جهده في ذلك ، وأن يقصد وجهه تعالى في تعلّمه .
ثم إنَّ الإنسان بالإضافة إلى جهله فانّه عندما يقف عند المعاملات يتصوّر أنَّها مجرّد أمور اجتماعية منبثقة من العرف ، ولذا يحاول الإنسان بجهله أن يحكِّم ذوقه واستحساناته ويجعل من العرف حاكماً عليها ، بل ومن نفسه أحياناً ، مع أنّ القرآن والسنّة الشريفة لا يقبلان بذلك قطعاً فإنّ الله تعالى يهدّد نبيّه الأكرم ( ص ) إذ يقول له : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ *
ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ( الحاقة : 44 - 47 ) ، ومن هنا ينبغي التنبيه إلى مطلب مهمِّ وهو أنّنا لابدّ أن نتعبّد بالأحكام المعاملاتية بقدر تعبّدنا بالأحكام العبادية ؛ حيث لا فرق بين مجموع هذه الأحكام سوى أنَّ العبادية يُشترط فيها نيّة القربة دون المعاملاتية ، وهي بأجمعها تعتبر حدود الله تعالى وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ( الطلاق : 1 ) .
ومن هنا يتعيّن علينا عدم عرض المعاملات على العرف إلّا إذا أمر الشارع بذلك .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 687
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٦٨٧